aloborlakom.ma
@Aloborlakom

من إرث حمادي شرف الدين إلى طموح محمد المصطفى.. مسيرة أسرة في خدمة الأقاليم الجنوبية

العبور لكم

بقلم : عبدالله حافيظي السباعي  باحث متخصص في الشؤون الصحراوية

حين أتحدث عن الدكتور محمد المصطفى شرف الدين، لا أستطيع أن أفصل مساره عن الأسرة التي ينتمي إليها، ولا عن تاريخ والده الحاج حمادي شرف الدين، الذي كان واحداً من أبناء الجيل الذي حمل على عاتقه مسؤولية بناء الإنسان وخدمة الأقاليم الجنوبية في مرحلة كانت فيها المنطقة تعرف تحولات عميقة.

وُلد الحاج حمادي شرف الدين ببلدة الدشيرة بالكصابي بإقليم كليميم ينتمي الى قبيلة ايت لحسن احد القبائل الاساسية في تجمع تكنة ، تلقى تعليمه الأولي بالكتاب على يد الشيخ الفقيه السي حمدي ماء العينين، ثم التحق بمدرسة الدشيرة، تلك المدرسة التي أعطت خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي جيلاً متميزاً من أبناء المنطقة، كان لهم أثر كبير في مجتمعهم. واصل حمادي شرف الدين مساره العلمي بجامعة القرويين، قبل أن يلتحق بقطاع التربية الوطنية، حيث بدأ مسيرة مهنية طويلة تدرج خلالها في عدد من المسؤوليات، من الإدارة التربوية إلى مصالح التوجيه، ثم مهام نائب وزارة التربية الوطنية.

وفي سبعينيات القرن الماضي، حظي بثقة جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، حيث عُيّن عضواً بالمجلس الأعلى للتخطيط، في محطة تعكس ما كان يحظى به من ثقة وكفاءة في تلك المرحلة.

اشتغل سنوات طويلة نائباً لوزارة التربية الوطنية بجهة الداخلة وادي الذهب، ثم انتقل إلى العيون، حيث أشرف على عدد من البرامج والمشاريع التربوية، قبل أن يعود إلى كلميم في أواخر التسعينيات، ليجد نفسه أمام مسؤولية المساهمة في تطوير المنظومة التعليمية بالمنطقة.

وقد ارتبط اسمه آنذاك بعدد من المشاريع التي عرفتها جماعات مختلفة، من بينها تغجيجت والقصابي وتيمولاي وافران وبويزكارن وأفركط ورأس امليل ولبيار، من خلال إرساء مجموعة من مدارس القرب بالعالم القروي، وبناء وتوسيع المؤسسات التعليمية، وتعزيز الموارد البشرية، خصوصاً من المدرسين والمعلمين بالمناطق القروية.

ولم تكن مهمته بالنسبة إليه مجرد تدبير إداري. فقد عرف بعلاقته الطيبة مع موظفي وأساتذة القطاع، وبكونه رجل حوار وانفتاح، حيث تمكن خلال فترة تحمله مسؤولية النيابة من فتح قنوات الحوار مع مختلف النقابات التعليمية الموجودة آنذاك، والمساهمة في حل ومعالجة عدد من الملفات المعقدة التي كانت مستعصية.

كما تميز بتواصله الدائم مع المجتمع المدني ومع آباء وأولياء التلاميذ، وكان حريصاً على الرفع من مستوى التمدرس ومحاربة الهدر في المدرسة. وأولى اهتماماً خاصاً بظروف الإقامة داخل الداخليات، سواء من حيث المبيت أو الإطعام، يتفقد بنفسه عدداً منها للوقوف على ظروف التلاميذ والتلميذات.

كما امتدت تجربته إلى مدينة طانطان، حيث انتخب بالمجلس الإقليمي لطانطان كان يشغر منصب رئيس بالنيابة، وعاصر مرحلة مفصلية من تاريخ الأقاليم الجنوبية وما رافقها من تحولات، وفي مقدمتها مرحلة المسيرة الخضراء.

وبعد هذه المسيرة الطويلة في ميدان التربية والتدبير، انتقل الحاج حمادي شرف الدين إلى الحقل الديني، بعد تعيينه رئيساً للمجلس العلمي بإقليم طرفاية الى حدود اليوم ،ليواصل حضوره وسط مجتمعه، واشتغل إلى جانب رفيق دربه وخليله شيخنا الشيخ ماء العينين لارباس، الذي كان يرأس المجلس العلمي لجهة العيون الساقية الحمراء. ومن هذا الموقع، حافظ الحاج حمادي على علاقاته بمختلف مكونات المجتمع المدني وبقبائل الصحراء قاطبة، ليجسد بذلك مسيرة رجل اشتغل لسنوات طويلة في التعليم والإدارة والعمل الديني، وظل قريباً من الناس ومن قضايا المنطقة.

ولعل ما يميز هذه الأسرة أيضاً أن أبناء حمادي شرف الدين حمل كل واحد منهم مساره الخاص، لكنه ظل مرتبطاً بجذور الأسرة وبالمجتمع الذي نشأ فيه.

فمن بينهم زين العابدين شرف الدين، الإعلامي الذي درس الإعلام في جمهورية مصر العربية، وكان من المؤسسين لقناة العيون الجهوية سنة 2004، إلى جانب محمد الداه لغظف، وشارك في عدد من المبادرات والأنشطة الإعلامية والتنظيمية في الأقاليم الجنوبية، خاصة في مجال الترافع الإعلامي حول قضية الصحراء المغربية والوحدة الترابية. كما ارتبط اسمه بمهرجان السينما بجهة الداخلة وادي الذهب، الذي أصبح  ذائع الصيت على المستوى الوطني.

ومن أبناء الأسرة أيضاً الدكتور طبيب  العيون محمد فاضل شرف الدين، الذي تابع دراسته في إسبانيا وعمل في قطاع الصحة هناك، قبل أن يعود إلى مدينة العيون، حيث افتتح عيادته الخاصة، وظل معروفاً بتواضعه وتعاونه وحسن علاقته بالناس ومساهمته في أعمال اجتماعية وقوافل الطبية وطنيا ودوليا.

وفي هذا السياق العائلي والاجتماعي، يصل الحديث في النهاية إلى الدكتور محمد المصطفى شرف الدين، الذي أراه اليوم امتداداً طبيعياً لمسار أسرة ارتبط اسمها بالتعليم والإعلام والعمل الاجتماعي وخدمة المنطقة.

عاد الدكتور محمد المصطفى من بلجيكا، وبدأ في بناء تجربته الخاصة في مجال المقاولة والعمل الحر، واستطاع خلال السنوات الماضية تطوير مشاريعه وتوسيع حضوره الاقتصادي. لكنه لم يكتفِ بالعمل المقاولاتي، بل انخرط أيضاً في الشأن المحلي والسياسي، فكان مستشاراً بجماعة القصابي، وساهم في تشكيل فريق حزبي لحزب الاستقلال، كما انتخب في منصب الكاتب العام لاتحاد مقاولات المغرب بجهة كلميم واد نون.

وما يلفت الانتباه في تجربة محمد المصطفى هو حضوره في محيطه وقربه من الناس. فقد انخرط في عدد من المبادرات الاجتماعية والاقتصادية، واستطاع أن ينسج علاقات واسعة على مستوى جهة كلميم واد نون والأقاليم الجنوبية، وكذلك على المستوى الوطني. وهي علاقات لم تُبنَ فقط على العمل السياسي أو الاقتصادي، وإنما على التواصل والقرب ومعرفة الناس والاهتمام بقضايا المجتمع.

وحين أستحضر اليوم اسم محمد المصطفى شرف الدين، فإنني لا أستحضر فقط شاباً يشتغل في المقاولة أو يمارس العمل السياسي، وإنما أستحضر أيضاً ابن أسرة لها تاريخ في هذه المنطقة، وابن رجل ترك بصمته في التعليم والإدارة والعمل الديني أطال الله في عمره.

ولذلك أعتقد أن أهمية محمد المصطفى لا تكمن فقط في ما حققه إلى اليوم، وإنما أيضاً في قدرته على مواصلة هذا الإرث بطريقة تناسب جيله. فهو شاب طموح، يشتغل في صمت، قريب من الناس، وقادر على بناء العلاقات وتحويلها إلى مبادرات تخدم مجتمعه وأهله ومنطقته.

وكما يقال: «ذلك الشبل من ذلك الأسد». لكن الأهم بالنسبة إليّ أن محمد المصطفى لا ينبغي أن يُنظر إليه فقط باعتباره ابن حمادي شرف الدين، وإنما باعتباره شخصية لها مشروعها وتجربتها الخاصة ويحظى باحترام قيادة حزبه وطنيا كما تربطه علاقات متينة مع قطبي حزب الاستقلال بالصحراء الحاج حمدي ولد الرشيد وابنه رئيس مجلس المستشارين  محمد ولد الرشيد اللذين يعرفن حق المعرفة معدن الرجال ويقدران ابناء الاصول من الشخصيات الوطنية في الأقاليم الجنوبية.

ومع هذه الاستحقاقات البرلمانية المقبلة، أتمنى له كل التوفيق والنجاح، لأنني أرى فيه نموذجاً للشاب الكفء الذي يجمع بين الطموح والعمل والقرب من المجتمع، والذي يمكن التعويل عليه مستقبلاً لخدمة منطقته وأهله، ومواصلة مسار أسرة تركت، كلٌّ من موقعه، أثراً في هذه الأرض…