الدفتيريا في المغرب.. من انتشار الخمسينيات إلى غياب الحالات لأكثر من ثلاثة عقود
العبور لكم – وكالات
أعاد تسجيل حالة مؤكدة للاشتباه في الإصابة بالدفتيريا بجهة سوس ماسة هذا المرض إلى واجهة النقاش الصحي في المغرب، بعد عقود من غيابه عن التقارير الرسمية. وتأتي المستجدات عقب وفاة شقيقين، يبلغان من العمر 10 و17 سنة، بأحد مستشفيات أكادير، فيما يجري التحقيق في حالات أخرى مرتبطة ببؤرتين عائليتين بالجهة.
وبحسب المعطيات المتداولة حول الوضع الوبائي، تم تأكيد حالة واحدة، بينما تخضع حالات أخرى للفحص والتحقق، وهو ما يجعل الصورة الوبائية الكاملة مرتبطة بنتائج التحقيقات الجارية.
مرض كان حاضراً بقوة في الماضي
عودة الدفتيريا إلى الواجهة تفتح الباب أمام استحضار تاريخ طويل لهذا المرض في المغرب.
وتشير وثائق تاريخية إلى تسجيل حالات بالدفتيريا منذ ثلاثينيات القرن الماضي، قبل أن تعرف الإصابات ارتفاعاً ملحوظاً خلال بداية خمسينيات القرن العشرين. وتشير معطيات واردة في دراسات وأرشيفات صحية إلى تسجيل أكثر من 400 حالة سنوياً في فترة سابقة، قبل أن يرتفع العدد إلى 643 حالة سنة 1952، و822 حالة سنة 1953، و885 حالة سنة 1954.
وأمام هذا التصاعد، اتجهت السلطات الصحية آنذاك إلى تعزيز الوقاية عبر التلقيح، حيث فُرض التطعيم ضد الدفتيريا بموجب ظهير صدر في يونيو 1954، وبدأت عمليات تلقيح تلاميذ المدارس خلال الموسم الدراسي 1954-1955.
اللقاح غيّر مسار المرض
مع توسع برامج التلقيح وتطور منظومة الوقاية، بدأ عدد الإصابات في التراجع تدريجياً.
وانضم المغرب سنة 1981 إلى برنامج التلقيح الموسع لمنظمة الصحة العالمية، قبل إعادة تنظيم منظومة التمنيع وطنياً سنة 1987، ضمن برنامج استهدف عدداً من الأمراض التي تصيب الأطفال، من بينها الدفتيريا. وتُظهر بيانات منظمة الصحة العالمية أن المغرب لم يسجل حالات دفتيريا منذ 1991، ما يعكس التراجع الكبير الذي عرفه المرض على مدى العقود الماضية.
كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن التلقيح على نطاق واسع، مع الحفاظ على تغطية مرتفعة، يمثل الوسيلة الأكثر فعالية للوقاية من الدفتيريا، وأن انخفاض التغطية في بعض الفئات يمكن أن يسمح بعودة حالات أو بؤر للمرض.
ماذا نعرف عن الدفتيريا؟
الدفتيريا مرض بكتيري معدٍ يمكن أن ينتقل عبر الرذاذ التنفسي أو من خلال الاتصال المباشر بآفات جلدية مصابة.
وفي الحالات الشديدة، يمكن أن تصيب العدوى الحلق والمجاري التنفسية، وتتسبب في تكوّن غشاء رمادي قد يؤدي إلى صعوبة في التنفس. كما أن بعض سلالات البكتيريا تنتج سموماً يمكن أن تؤثر في أعضاء مختلفة، من بينها القلب والأعصاب والكليتين.
وتوصي منظمة الصحة العالمية بالتلقيح الأساسي والجرعات المعززة للحفاظ على حماية طويلة الأمد، كما تشدد على ضرورة تقييم الوضع التلقيحي للأشخاص المخالطين للحالات المؤكدة أو المشتبه فيها عند ظهور الإصابة.
بين ذاكرة الماضي والتحقيقات الحالية
وبينما لا تزال التحقيقات الصحية في سوس ماسة جارية لتحديد طبيعة الحالات المرتبطة بالبؤرتين العائليتين، تعيد المستجدات إلى الواجهة أهمية المراقبة الوبائية والحفاظ على برامج التلقيح.
فالدفتيريا، التي شكلت تحدياً صحياً في المغرب خلال القرن الماضي، تراجعت بشكل كبير مع توسع التمنيع، قبل أن تختفي الحالات المبلغ عنها لعقود.
وتبقى نتائج التحقيقات الجارية في سوس ماسة حاسمة لتحديد مدى انتشار الحالات الحالية، في وقت تستمر فيه منظومة الرصد الصحي في متابعة الوضع وتقييم المعطيات المتوفرة.