aloborlakom.ma
@Aloborlakom

ملاك العرابي تكتب : غادروا الوطن… وغادر رئيس الحكومة أيضا

العبور لكم- الرباط – ملاك العرابي

غادر رئيس الحكومة عزيز أخنوش المغرب في ذروة الغليان الشعبي ومحاولات الهجرة الجماعية نحو سبتة، على متن طائرة خاصة رفقة أفراد من عائلته وأصدقاء لقضاء عطلته، مباشرة بعد حضوره حفل الولاء بمدينة تطوان بمناسبة عيد العرش، قبل أن يعود إلى المملكة على عجل.. وبين المغادرة والعودة، ظل المغاربة ينتظرون كلمة تطمئنهم، أو تعزية لأسر الضحايا الذين فقدوا أبناءهم غرقا، أو توضيحا رسميا يفسر ما جرى، لكن الصمت كان سيد الموقف..

قد يقول قائل إن من حق رئيس الحكومة أن يقضي عطلته، وهذا حق لا ينازع فيه أحد.. غير أن رئاسة الحكومة ليست وظيفة عادية، وإنما مسؤولية سياسية وأخلاقية تقتضي الحضور عندما تهتز البلاد، لا الاكتفاء بالظهور في المناسبات الرسمية ثم الاختفاء عند الأزمات..

ما وقع في محيط سبتة كان جرس إنذار ، كشف حجم اليأس الذي يعيشه جزء من الشباب.. آلاف المغاربة كانوا مستعدين للمجازفة بحياتهم من أجل عبور الحدود، والعالم كله كان يتابع المشهد.. ففي مثل هذه اللحظات، ينتظر المواطن أن يرى رئيس حكومته في الواجهة، يتحدث إلى الناس، يشرح، يطمئن، ويعلن عن إجراءات لمعالجة أسباب الأزمة، لا أن يترك المجال للإشاعات والتأويلات..

الأكثر إيلاما أن الحكومة لم تقدم، في نظر كثيرين، ما يرقى إلى حجم الحدث.. فلا تعزية واضحة لأسر الضحايا، ولا خطاب سياسي يلامس مشاعر المواطنين، ولا إعلان عن مراجعة السياسات التي دفعت هذا العدد الكبير من الشباب إلى التفكير في الهروب من وطنهم..

المسؤولية السياسية لا تعني فقط تدبير الملفات الاقتصادية أو توقيع الاتفاقيات، وإنما تعني أيضا تحمل المسؤولية المعنوية أمام الشعب.. فالقائد الحقيقي يُعرف في أوقات الشدة، لأن الأزمات هي الامتحان الحقيقي للقيادات، وليست المناسبات الاحتفالية..

للأسف، أصبح الانطباع السائد لدى كثير من المغاربة أن الحكومة تتعامل مع الأزمات بمنطق تدبير الصورة أكثر من تدبير الواقع، وأن التواصل لا يحضر إلا عند الحديث عن المنجزات، بينما يغيب عندما يتعلق الأمر بالأحداث المؤلمة التي تستوجب المكاشفة والإنصات..

الوطن لا يحتاج إلى مسؤولين يجيدون الظهور في أوقات الرخاء فقط، بل إلى رجال دولة يدركون أن وجودهم وسط المواطنين في اللحظات الصعبة جزء من واجبهم السياسي والأخلاقي.. فالثقة لا تُبنى بالبلاغات، وإنما بالحضور، والصدق، وتحمل المسؤولية..

إن ما جرى يجب أن يكون مناسبة لمراجعة عميقة لأسلوب تدبير الشأن العام، لأن الشعوب لا تفقد ثقتها بسبب الأزمات وحدها، بل عندما تشعر أن من يديرها بعيد عن آلامها، أو غير مدرك لحجم ما تعيشه..

لقد غادر آلاف الشباب وطنهم بحثا عن أفق آخر، وغادر رئيس الحكومة البلاد في التوقيت نفسه لقضاء عطلته.. قد يكون الأمر مجرد تزامن، لكنه تزامن سيبقى حاضرا في ذاكرة كثير من المغاربة، لأنه اختزل، في نظرهم، المسافة التي أصبحت تفصل بين السلطة والشارع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.