بديعة الراضي: سنواجه الفساد والإقصاء بالكلمة والقانون والمؤسسات
العبور لكم
بقلم : بديعة الراضي الرئيسة الوطنية لرابطة كاتبات افريقيا والمغرب
ها نحن بثورتنا؛ في أفق احتفالنا بثورة ملك وشعب، تلك الراسخة في ذاكرتنا، المتجذرة في وجداننا، التي لم تكن يوما مجرد لحظة عابرة في تاريخ وطن، بل كانت وما تزال السد المنيع الذي حال دون اقتلاعنا من جذورنا، والحصن الذي صان وحدتنا، والجسر الذي ظل يربط الدولة بالشعب، والذاكرة بالمستقبل. ها نحن بثورتنا، لا لنستحضر الماضي هروبا من الحاضر، وإنما لنقول إن الذين يحاولون اليوم العبث بالوطن، والمتاجرة بمؤسساته، واستعمال السياسة مطية للنفوذ والإقصاء، لن يستطيعوا قطع الصلة بين شعبه وذاكرته، ولا بين الدولة وثوابتها. لكن هناك شيئا آخر يحدث، أكثر خطورة من مجرد الإقصاء: فمحاولة لإقصاء الأوفياء، وإبعاد الذين ظلوا واقفين في الصفوف حين كانت الصفوف فارغة، وإحلال منطق الولاء للمصلحة محل الوفاء للوطن والمؤسسات. هناك من يريد أن يجعل من إقصاء الأوفياء وسيلة لزرع الشك في تلاحمنا، وفي قدرتنا على الصمود، وفي تلك الثقة العميقة التي ظلت، عبر الزمن، أحد أسرار قوتنا. إنهم لا يريدون فقط إبعادنا عن المواقع، إنهم يريدون إبعاد الذاكرة من الذاكرة، وإقناعنا بأن ما جمعنا بالأمس لم يعد قادراعلى جمعنا اليوم، وأن الصبر ضعف، وأن الوفاء سذاجة، وأن التمسك بالثوابت عبء ينبغي التخلص منه. وهنا نقول: لا في وجه من تجبروا …
لن يكون إقصاء الأوفياء مدخلا إلى تفكيك التلاحم، ولن يكون التشكيك في صمودنا طريقا إلى كسر إرادتنا، ولن يتحول صبرنا إلى فتيل يشعلونه كلما أرادوا تفجير غضب المجتمع، أو تحويل اختلافاته إلى وقود لمصالحهم. ها نحن في مواجهة الفاسدين المقنعين، أولئك الذين يبدلون أقنعتهم ولا يبدلون مصالحهم، والذين يتحدثون عن الوطن حين يخدمهم الوطن، ويتاجرون برموزه حين تخدمهم التجارة.
ها نحن في مواجهة تجار الوطن، في الداخل والخارج؛ من يجعلون من الخلاف السياسي سوقا للابتزاز، ومن النفوذ وسيلة للاستحواذ، ومن المؤسسات غنيمة، ومن المواطن مجرد رقم يستدعى حين يحتاجون إليه ثم يقصى حين تنتهي الحاجة. لن تستطيعوا، مهما علا تحريضكم، أن تهدموا الجسر الذي يربط الثورة بالشعب. لن تستطيعوا أن تقتلعوا ذاكرة عمرها عقود، ولا أن تمحوا من وجدان المغاربة معنى التلاحم الذي كان وسيظل أحد مقومات صمود هذا الوطن. رغم ابتزازكم، نحن هنا. رغم صعود منسوب جشعكم، نحن هنا. رغم إقصائنا من مواقعنا، نحن هنا. رغم محاولاتكم كتم أنفاسنا، نحن هنا. ورغم محاولاتكم اختبار قدرتنا على الصبر، سنصبر. لكن لا تختبروا صبرنا إلى ما لا نهاية. فالصبر ليس استسلاما، والهدوء ليس عجزا، والوفاء ليس ضعفا. سنضرب بيد من حديد، ولكن بيد الدولة والقانون والمؤسسات، على كل من يتلاعب بوحدتنا، أو يعبث بثقتنا، أو يحاول تحويل قدرتنا على الصبر إلى فرصة للتمدد والاستحواذ. سنكون حازمين مع الذين يختبرون صبرنا، ومع الطامعين في تحويلنا إلى فتيل، ومع الذين يراهنون على أن إشعال الشك بين أبناء الوطن يمكن أن يفتح لهم أبوابا مغلقة. لن نكون فتيل أحد، ولن نكون وقودا لأجندة أحد، ولن نسمح لمن يختبر صبرنا أن يخطئ في قراءة صمتنا. فنحن نعرف متى نصمت حفاظا على الوطن، ونعرف متى نتكلم دفاعا عنه، ونعرف متى يصبح الصمت نفسه موقفا، ومتى يصبح الحزم واجبا.
نحن هنا لأن الوطن أكبر من مواقعكم، وأبقى من نفوذكم، وأعمق من حساباتكم. سنواجهكم بالكلمة، بالقانون، بالمؤسسات، وبالنضال الديمقراطي. وسنقتلع من طريقنا كل مظاهر الفساد والإقصاء والاحتكار والاستعلاء؛ سنقتلع العقلية التي تتعامل مع الوطن كغنيمة، والسياسة كتجارة، والمؤسسات كملك خاص. لسنا في مواجهة أشخاص، وإنما في مواجهة عقلي، عقلية تريد أن تجعل من الوطن سلعة، ومن السياسة وسيلة للاغتناء، ومن المؤسسات أدوات للهيمنة، ومن المواطن مجرد صوت موسمي. وها نحن بثورتنا نقول لهم: الوطن ليس للبيع، ثوابته ليست للمساومة، مؤسساته ليست غنيمة، وشعبه ليس فتيلا يشعلونه كلما احتاجوا إلى حريق سياسي. ها نحن بثورتنا، بثقافتنا الوطنية، بذاكرتنا، بإيماننا بالدولة ومؤسساتها، وبحقنا في الاختلاف والنضال الديمقراطي. ها نحن بثورتنا، لا نريد إسقاط الوطن، وإنما نريد إسقاط كل ما يشوه معنى الوطن. لا نريد هدم المؤسسات، وإنما نريد حمايتها من الذين يحولونها إلى أدوات للهيمنة. لا نريد اقتلاع الناس، وإنما نريد اقتلاع الفساد من جذوره. ولا نريد الانتقام من أحد، وإنما نريد أن يسقط القناع عن كل من جعل من الوطن تجارة ومصلحة وموقعا. فليحاولوا ما شاءوا، ليعل ضجيجهم، ليتضاعف ابتزازهم، ليكثروا من أقنعتهم، وليختبروا صبرنا إن شاؤوا. لكن عليهم أن يعرفوا أن الصبر الذي بناه الأوفياء ليس هشا، وأن التلاحم الذي صنعته الذاكرة الوطنية ليس خيطا يسهل قطعه، وأن الشعب الذي صبر طويلا من أجل الوطن قادر أيضا على أن يكون حازما حين يصبح الصبر مستهدفا، والوحدة مهددة، والمؤسسات موضع عبث. سنظل واقفين، لا لأننا لا نتعب، بل لأن الوطن يستحق أن نتعب من أجله، لا لأننا لا نغضب، بل لأننا نعرف أين يجب أن يذهب الغضب، ولا لأننا لا نرى الإقصاء، بل لأننا نعرف أن إقصاء الأوفياء لا يستطيع إقصاء الوفاء نفسه. ها نحن بثورتنا، وها هي ثورتنا بذاكرتها وشعبها ومؤسساتها. أما الأقنعة فسوف تسقط، وأما محاولات زرع الشك في تلاحمنا فسوف تنكسر، وأما الذين يختبرون صبرنا فسيدركون أن الصبر قوة حين يكون من أجل الوطن، وأن الحزم يصبح واجبا حين يُستهدف الوطن. وأما الوطن، فباق؛ لأن جذوره أعمق من أن تقتلعها عاصفة، وذاكرته أقوى من أن يمحوها تحريض، وشعبه أكبر من أن يتحول إلى فتيل في يد الطامعين. ها نحن بثورتنا؛ صابرون حين يكون الصبر وفاء، وحازمون حين يصبح الحزم دفاعاعن الوطن.
إننا هنا جنود ثورة ملك وشعب.