الكويرة بين الخط الأحمر المغربي ومطامع نواكشوط: حقيقة النزاع الهادئ على رأس نواذيبو
العبور لكم – من الكويرة
من طنجة إلى الكويرة.. لم تكن هذه العبارة مجرد شعار حماسي يُردده المغاربة في أعيادهم الوطنية، بل هي عنوان عريض للعقيدة الترابية للمملكة المغربية، والحد الفاصل الذي يرسم خريطة السيادة من شمال البوغاز إلى أقصى نقطة في صحرائه الجنوبية. لكن خلف هذا الامتداد الوجدانِي، تدور في الكواليس الدبلوماسية المظلمة تجاذبات سياسية وضغوطات مكتومة بين الرباط ونواكشوط حول شبه جزيرة “الكويرة” المهجورة عمرانياً، والحاضرة بقوة في معادلات الأمن القومي والجيوسياسي.
الكويرة.. الموقع الذي يزن ذهباً
تقع الكويرة في أقصى الجنوب المغربي على رأس “كاب بلان” (الرأس الأبيض)، ملاصقةً لمدينة نواذيبو، العاصمة الاقتصادية للجمهورية الإسلامية الموريتانية. ورغم أنها تبدو اليوم شبه خاوية من السكان، إلا أن موقعها البحري والبري يشكل مفتاحاً استراتيجياً للسيطرة على حركة الملاحة والتجارة في الأطلسي، ويجعلها خط التماس المباشر والأكثر حساسية بين المغرب ومحيطه الإفريقي.
بالنسبة للرباط، الكويرة جزء لا يتجزأ من الإقليم الجنوبي للمملكة، والمساس بها هو مساس بالسيادة الوطنية برمتها. أما بالنسبة لنواكشوط، فالمنطقة تمثل “حديقة خلفية” تؤرق مضجع أمنها القومي، نظراً لقربها الشديد من شريانها الاقتصادي (ميناء نواذيبو ومنشآت تصدير الحديد).
الألغام الدبلوماسية
يعود هذا التداخل المعقد بعد الاستعمار الإسباني والفرنسي والتقسيمات الإدارية الهشة التي أعقبت اتفاقية مدريد عام 1975، ثم انسحاب موريتانيا من منطقة “تيرس ” سنة 1979. ومنذ ذلك الحين، بقيت الكويرة في وضعية ميدانية خاصة؛ حيث يتواجد الجيش الموريتاني في بعض نقاطها بتنسيق وضبط نفس مع السلطات المغربية لضمان عدم تسلل عناصر مليشيات البوليساريو.
واليوم، ومع التطورات الميدانية المتسارعة بعد فتح معبر الكركرات بشكل نهائي، واقتراب إنجاز المشروع الضخم “ميناء الداخلة الأطلسي”، تحاول موريتانيا عبر كواليس المفاوضات الدولية انتزاع اعتراف أو مكاسب جغرافية بخصوص الكويرة، بداعي حماية أمن نواذيبو ومصالحها البحرية.
الحزم المغربي: لا مساومة تحت أي مسمى
في المقابل، تقف الدبلوماسية المغربية، المدعومة برؤية ملكية صارمة، سداً منيعاً أمام أي محاولة لإعادة رسم الحدود أو فرض واقع جديد. فالرباط تتعامل مع موريتانيا بمنطق “حسن الجوار والشراكة الاستراتيجية”، لكنها ترسم خطوطاً حمراء سميكة عندما يتعلق الأمر بالثوابت الوطنية. فالكويرة كانت وستبقى مغربية، ورؤية المملكة لتطوير الأقاليم الجنوبية تشمل كل شبر من الكركرات إلى آخر نقطة في الكويرة.
يبقى السؤال المطروح بين أوساط المحللين السياسيين بشمال أفريقيا : هل تعي نواكشوط أن اللعب على حبل “الكويرة” قد يعكر صفو العلاقات الأخوية مع الجار الشمالي القوي، أم أن الأمر لا يتعدى كونه مناورة دبلوماسية لتحسين شروط التفاوض في ملفات اقتصادية وأمنية مشتركة؟