أزمة السكن الاقتصادي بالمغرب.. أسعار مرتفعة وشقق غير مباعة وحلم التملك يتعثر
العبور لكم – الرباط
يواجه سوق العقار بالمغرب تحديات متزايدة، خصوصاً في قطاعي السكن الاقتصادي والمتوسط، حيث تتسع الفجوة بين أسعار الشقق والقدرة الشرائية للأسر، في وقت يجد فيه الشباب والأزواج الجدد صعوبة متزايدة في الانتقال من الكراء إلى امتلاك مسكن خاص.
وفي ظل ارتفاع تكاليف البناء والأراضي واليد العاملة، يتمسك عدد من المنعشين العقاريين بمستويات الأسعار الحالية، بينما تتراجع قدرة شرائح واسعة من المواطنين على اقتناء السكن، ما يساهم في استمرار حالة الركود وترك عدد من الوحدات العقارية دون مشترين.
ويرى محللون أن الأزمة لا ترتبط فقط بارتفاع تكاليف الإنتاج، بل تشمل أيضاً ضعف المنافسة في السوق، وعدم التوازن بين العرض والطلب، إلى جانب محدودية الإمكانيات المالية للأسر، التي تجد نفسها أمام خيارين صعبين: تأجيل مشروع التملك أو اللجوء إلى قروض طويلة الأمد قد تمتد لأكثر من 25 سنة، بما يثقل ميزانياتها الشهرية.
ومن بين الإشكالات التي تثير قلق الراغبين في اقتناء السكن، ما يُتداول بشأن مطالبة بعض المنعشين العقاريين بمبالغ إضافية خارج السعر المعلن، فيما يعرف بـ«النوار». وحسب إفادات أوردها محلل اقتصادي، فإن هذه الممارسات، إذا ثبتت، قد ترفع التكلفة الفعلية للشقق المستفيدة من الدعم المباشر للسكن، وتحد من استفادة المواطنين من الغاية الاجتماعية لهذا البرنامج.
كما أن اقتناء شقة اقتصادية لا يعني بالضرورة انتهاء المصاريف، إذ تحتاج بعض الوحدات إلى إصلاحات وتجهيزات إضافية، وهو ما يزيد من الأعباء المالية للأسر، ويدفع بعضها إلى التردد في اتخاذ قرار الشراء.
في المقابل، يقدم المنعشون العقاريون قراءة أخرى للأزمة، مرتبطة بالارتفاع الكبير في تكاليف الإنتاج، ولا سيما أسعار الأراضي ومواد البناء وأجور اليد العاملة. وفي هذا السياق، يرى أمين نقطة، نائب الفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين، أن نموذج السكن الاقتصادي لم يعد يواكب التحولات الاقتصادية الحالية، مشيراً إلى أن عدداً من المشاريع أصبح يواجه صعوبات في تحقيق الربحية، بل إن بعضها اضطر إلى التوقف بسبب ارتفاع التكاليف.
ويعتبر المتحدث أن أسعار الأراضي ومواد البناء واليد العاملة شهدت تغيرات كبيرة مقارنة بالسنوات الماضية، ما يجعل بيع الشقق بأثمان منخفضة أمراً صعباً بالنسبة إلى بعض المهنيين. كما دعا إلى مراجعة سقف الدعم المباشر للسكن وفق الخصوصيات الاقتصادية لكل جهة، معتبراً أن المدن الكبرى، وعلى رأسها الدار البيضاء، تحتاج إلى مقاربة مختلفة تراعي ارتفاع تكاليف العقار والبناء.
وبين مطالب المواطنين بتخفيض الأسعار وضمان الاستفادة الفعلية من الدعم، ومبررات المهنيين المرتبطة بتكاليف الإنتاج، يظل السكن الاقتصادي أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرته على تحقيق التوازن بين استدامة الاستثمار العقاري والحق في الولوج إلى سكن ملائم.
ويطرح هذا الوضع الحاجة إلى حلول متكاملة تشمل تعزيز المنافسة والشفافية في السوق، ومراقبة الممارسات غير القانونية، وتطوير العرض السكني بما يتناسب مع القدرة الشرائية للأسر، إلى جانب اعتماد مقاربة مجالية في دعم السكن تراعي الفوارق في تكاليف العقار بين المدن والجهات.
فنجاح سياسة دعم السكن لا يقاس فقط بعدد المستفيدين منها، بل بمدى قدرتها على تمكين الأسر من اقتناء مساكن بأسعار واضحة ومعقولة، دون أن تتحول المساعدات العمومية إلى عبء إضافي على ميزانياتها أو تفقد أثرها الاجتماعي المنشود.