aloborlakom.ma
@Aloborlakom

إدماج الشباب بالمغرب.. من وعود التشغيل إلى معركة الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي

العبور لكم – الرباط

لم يعد إدماج الشباب في سوق الشغل مجرد ملف مرتبط بالتشغيل والتكوين، بل أصبح رهانا اجتماعيا يتداخل فيه التعليم، والاستقلال الاقتصادي، والعدالة المجالية، والولوج إلى الخدمات الأساسية. وفي هذا السياق، تضع الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري إدماج الشباب ضمن أولويات برنامجها للفترة 2026-2031، وسط تحديات تتجاوز توفير فرص العمل إلى ضمان استمراريتها وتحويلها إلى مسارات حقيقية نحو الاستقلال.

ويحتل إدماج الشباب في التعليم والتكوين والتشغيل اللائق المرتبة الخامسة ضمن الأولويات السبع للبرنامج الحكومي الذي قدمته المنصوري أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر. وتراهن الحكومة على مجموعة من الإجراءات، من بينها تكوين 100 ألف شاب سنويا وفق حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف مستفيد كل سنة من الحصول على تجربة مهنية أولى، مع رفع القدرة الاستيعابية للتكوين مستقبلا إلى ما بين 150 ألفا و200 ألف مستفيد سنويا.

كما يتضمن البرنامج مواكبة 60 ألف مقاولة، وتيسير التنقل المهني، وتوفير عرض من السكن الإيجاري بأسعار مناسبة، في محاولة لمعالجة بعض العوائق التي تحول دون انتقال الشباب من التكوين إلى العمل، ومن الاعتماد على الأسرة إلى الاستقلال الاقتصادي.

غير أن هذه الأهداف، رغم أهميتها، تطرح سؤالا جوهريا: كيف يمكن ضمان ألا تتحول برامج التكوين والتشغيل إلى مجرد أرقام، دون أثر ملموس على حياة الشباب؟

2.9 مليون شاب خارج التعليم والتكوين والعمل

تكشف المعطيات التي أوردتها المندوبية السامية للتخطيط، بتعاون مع منظمة العمل الدولية والاتحاد الأوروبي، عن حجم التحدي الذي تواجهه السياسات العمومية. فقد بلغ عدد الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة، وغير المنخرطين في التعليم أو التكوين أو العمل، نحو 2.9 مليون شخص، وفق معطيات مستندة إلى البحث الوطني حول التشغيل لسنة 2023.

ولا يتعلق الأمر بفئة متجانسة؛ فبين هؤلاء من يبحث عن عمل دون أن يجده، ومن فقد الثقة في المؤسسات، ومن انقطع عن الدراسة، ومن تحول دون انخراطه في الحياة المهنية مسؤوليات أسرية أو ظروف اجتماعية صعبة.

وتشير المعطيات نفسها إلى أن قرابة 70 في المائة من هذه الفئة غير نشطة اقتصاديا، فيما تمثل النساء أكثر من 72 في المائة من مجموع الشباب المعنيين، وهو ما يعكس حجم القيود الاجتماعية والأسرية التي تواجهها الشابات في مسارات الإدماج.

وفي هذا الصدد، ترى بشرى عبدو، مديرة جمعية تحدي للمساواة والمواطنة، أن معالجة وضعية الشباب لا ينبغي أن تقتصر على توفير فرص العمل، بل يجب أن تنطلق من فهم أوسع للصعوبات التي يعيشونها، بما فيها الصحة النفسية، والولوج إلى المعلومات، والحماية من العنف، والمشاركة الثقافية والمدنية.

مواكبة الشباب قبل الوصول إلى سوق الشغل

تؤكد بشرى عبدو أن عددا من الشباب لا يتوجهون تلقائيا إلى المؤسسات والإدارات طلبا للمساعدة، بسبب فقدان الثقة أو ضعف المعرفة بالبرامج المتاحة. لذلك تدعو إلى اعتماد مقاربة ميدانية تقوم على الوصول إلى الشباب في أحيائهم وفضاءاتهم اليومية، من خلال وسطاء اجتماعيين وجمعيات محلية تتوفر على إمكانيات مالية تضمن استمرارية عملها.

وتشدد على أهمية توفير مراكز للاستماع والتوجيه والإرشاد، تراعي اختلاف الظروف الاجتماعية، والإعاقة، وصعوبات التنقل، إلى جانب تعزيز التنسيق بين المؤسسات العمومية والجمعيات، بما يسمح ببناء مسارات متكاملة بدل ترك الشباب أمام إجراءات متفرقة.

من جهته، يعتبر يحيى الزيداني، رئيس مشروع بجمعية المواطنين، أن إحدى أبرز نقاط ضعف السياسات السابقة تكمن في غياب الاستمرارية بين مختلف مراحل الإدماج، حيث يمكن لكل مؤسسة أن تؤدي دورها بشكل منفصل، دون أن يحصل المستفيد على مواكبة متكاملة من مرحلة التوجيه إلى التكوين ثم الاندماج المهني.

ويؤكد الزيداني أن نجاح برامج الشباب يتطلب تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعزيز التوجيه نحو التشغيل المستدام أو المقاولاتية القادرة على الاستمرار، فضلا عن إشراك الشباب في إعداد القرارات والسياسات التي تستهدفهم.

التكوين وحده لا يكفي.. ماذا بعد الشهادة؟

تظل العلاقة بين التكوين وحاجيات سوق الشغل من أبرز التحديات المطروحة. فالحصول على شهادة أو إتمام دورة تكوينية لا يضمن بالضرورة الوصول إلى وظيفة، خصوصا في ظل استمرار بطالة بعض حاملي الشهادات لفترات طويلة.

ويعتبر الزيداني أن ربط التكوين بالحاجيات الفعلية للمقاولات والاقتصادات المحلية يشكل شرطا أساسيا لنجاح البرامج الحكومية، مع ضرورة ضمان أن تكون التجربة المهنية الأولى فرصة حقيقية لاكتساب المهارات والاندماج، وليست مجرد تدريب محدود الآفاق.

وفي هذا السياق، تشدد بشرى عبدو على ضرورة توفير شروط مهنية لائقة، تشمل التأطير، والأجر المناسب، والحماية الاجتماعية، مع اعتماد معايير شفافة في اختيار المستفيدين، وإيلاء اهتمام خاص للشباب الذين يواجهون صعوبات أكبر في الوصول إلى الفرص.

كما تبرز أهمية إعادة إدماج المنقطعين عن الدراسة عبر العودة إلى المدرسة أو التكوين المهني أو التعلم بالتدرج، في إطار مقاربة وقائية تسعى إلى الحد من توسع فئة الشباب خارج منظومة التعليم والتشغيل.

النقل والسكن.. تكاليف قد تعرقل فرصة العمل

لا تتوقف عوائق الإدماج عند التكوين أو توفر الوظائف، بل تمتد إلى كلفة الانتقال نحو الفرص المتاحة. فقد يجد شاب نفسه أمام وظيفة أو تكوين مناسب خارج مدينته، لكنه يعجز عن الالتحاق به بسبب مصاريف النقل أو السكن.

ويشير يحيى الزيداني إلى أن هذه التكاليف قد تجعل الفرصة المهنية غير قابلة للاستفادة، رغم ملاءمتها لمؤهلات الشاب. لذلك يرى أن جواز التنقل المهني والحلول السكنية التي أعلنت عنها الحكومة يمكن أن تساهم في تخفيف هذه الإكراهات، شريطة تحديد شروط الاستفادة وضمان توزيعها بشكل منصف بين المناطق.

أما في مجال المقاولاتية، فإن مواكبة المقاولات الناشئة لا ينبغي أن تقتصر على التوجيه أو الاحتضان، بل يجب أن تشمل التمويل والضمانات والولوج إلى الأسواق، بما فيها الصفقات العمومية.

ويحذر الزيداني من أن الحصول على أول طلبية لا يعني بالضرورة نجاح المشروع، ما لم تتوفر للمقاولة القدرة المالية والتقنية على تنفيذها والاستمرار بعدها.

النساء الشابات.. استقلال اقتصادي تصطدم به قيود يومية

تفرض النسبة المرتفعة للنساء ضمن فئة الشباب خارج التعليم والتكوين والعمل إيلاء اهتمام خاص للعوائق التي تحول دون استقلالهن الاقتصادي.

وتؤكد بشرى عبدو أن توفير فرص العمل للنساء الشابات يظل مرتبطا بمدى تأمين شروط الحياة اليومية، من بينها النقل الآمن، والحماية من التحرش والعنف، وتوفير خدمات رعاية الأطفال بالقرب من أماكن العمل والأحياء ذات الدخل المحدود.

وتشير إلى أن مسؤوليات الرعاية الأسرية، إلى جانب العنف في الفضاء العام والرقمي، قد تدفع بعض النساء إلى التخلي عن فرص مهنية أو تكوينية، حتى عندما تكون متاحة.

وتتقاطع هذه المطالب مع توصيات المندوبية السامية للتخطيط ومنظمة العمل الدولية، التي تدعو إلى تطوير خدمات رعاية الأطفال، وتكييف برامج التكوين مع الظروف المحلية، وتوسيع فرص الولوج إلى الخدمات الأساسية.

مشاركة الشباب.. من الاستماع إلى التأثير في القرار

إلى جانب الإدماج الاقتصادي، يبرز الرهان على تعزيز المشاركة المدنية للشباب، في ظل التحولات التي تعرفها أشكال التعبير والتفاعل، خصوصا عبر المنصات الرقمية.

ويرى يحيى الزيداني أن المشاركة لا ينبغي أن تظل محصورة في الاستماع إلى الشباب، بل يتعين أن تتيح لهم تقديم مقترحات واضحة ومتابعة مدى استجابة المؤسسات لها. ويقترح أن يكون لكل التزام مسؤول محدد وأجل زمني، وأن تتلقى المقترحات أجوبة معللة، بما يعزز الثقة في المؤسسات.

كما تدعو بشرى عبدو إلى إشراك الجمعيات في مختلف مراحل السياسات العمومية، من تحديد الحاجيات إلى التنفيذ والتقييم، مع ضمان تمويل مستدام يتيح لها القيام بدورها في المواكبة والتأطير.

وتوصي أعمال المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بتعزيز فضاءات الشباب، وتطوير خدمات الاستماع والتوجيه والمواكبة النفسية والاجتماعية، فضلا عن إرساء آليات للتتبع والتقييم على المستوى الجهوي.

امتحان التنفيذ يبدأ من قياس النتائج

بين استراتيجية الشباب السابقة للفترة 2015-2030 والالتزامات الجديدة للحكومة، تتواصل الدعوات إلى بناء سياسة عمومية متكاملة تضع الشباب في قلب التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

لكن التحدي الحقيقي لن يكون في حجم الأرقام المعلنة، بقدر ما يرتبط بمدى قدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة المستفيدين، عبر توفير وظائف مستقرة، وتحسين جودة الدخل، وتقليص الفوارق بين المجالات، وضمان الولوج إلى الخدمات الأساسية.

ويؤكد يحيى الزيداني أهمية متابعة المستفيدين بعد خروجهم من برامج التكوين أو التشغيل لمدة تتراوح بين ستة أشهر وسنة، للوقوف على مدى استقرارهم المهني واستمرارية المشاريع التي أطلقوها.

وبالنسبة إلى بشرى عبدو، فإن نجاح السياسات الموجهة للشباب ينبغي أن يقاس بمدى تعزيز استقلالهم الفعلي، وتمكينهم من الوصول إلى حقوقهم، وتوفير فرص متكافئة أمام مختلف الفئات.

وبين طموح الحكومة في إدماج الشباب وانتظارات ملايين المغاربة، يبقى السؤال المطروح: هل تتحول برامج 2026-2031 إلى مسارات مستدامة نحو الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي، أم تظل فرص الإدماج رهينة الفوارق المجالية والاجتماعية؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.