الملك يرسم خطط عمل حكومة المنصوري… رقابة برلمانية قوية ودعوة استجابة لتطلعات الشعب
العبور لكم – بقلم: ذ. إبراهيم أبهوش – صحفي مغربي.
إذا كان رمز الأمة وقائدها يعتز بالوطن ويجعل من الهوية الوطنية قاعدة الانطلاق نحو الإصلاحات الكبرى، فإن الخطاب الملكي لجلالته، في افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، جاء ليؤكد أن الاعتزاز بالوطن ليس مجرد شعور وجداني، بل مسؤولية عملية تترجم إلى سياسات عمومية ومشاريع استراتيجية.
الملك وضع الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي في صدارة أولويات التنمية، باعتبارهما معياراً لتفوق الدول في القرن الحادي والعشرين، وهو ما يجعل المغرب أمام تحدي الانخراط في الثورة الرقمية ليس كمتلقٍ للتكنولوجيا، بل كفاعل قادر على إنتاج حلول مبتكرة وتوظيفها في خدمة التنمية.
أعتقد ان هذه الرؤية الملكية جاءت لتضع حكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام امتحان صعب في سنتها الأولى بقيادة نسائية ، حيث سيكون عليها أن تُعيّن وزراء أكفاء قادرين على قيادة القطاعات الاستراتيجية، من الاقتصاد والمالية إلى التعليم العالي والبحث العلمي، ومن الصناعة والتجارة إلى الشباب والثقافة…
بلاشك ان هذه الحكومة التي لم يكتب لها ان تولد بعد ،لن تعمل في فراغ، بل تحت رقابة برلمانية صارمة، ومعارضة برلمانية قوية تعتز بالهوية الوطنية وتعتبر نفسها الضامن لمصداقية تنزيل هذه التوجيهات الملكية.
فالخطاب الملكي لم يقتصر على الدعوة إلى الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، بل استحضر أيضاً الجهوية المتقدمة باعتبارها مدخلاً أساسياً لتحقيق التنمية المتوازنة، حيث تصبح الجهات فضاءات فعلية لصناعة القرار التنموي، وتتحول إلى مراكز إنتاج وإبداع. كما شدد على اللاتمركز الإداري كآلية لتقريب القرار من المواطن وضمان عدالة توزيع المشاريع والموارد، بما يفتح المجال أمام مشاركة أوسع للفاعلين المحليين في صياغة وتنفيذ السياسات العمومية!!
أما الشباب، فقد كان حضورهم بارزاً في الخطاب باعتبارهم القوة الحية التي ستقود هذه الثورة الرقمية، عبر الاستثمار في تكوينهم، وتوفير منصات رقمية لهم، ودعم المقاولات الناشئة التي يقودونها، كلها عناصر تجعل من الرؤية الملكية مشروعاً مجتمعياً شاملاً، لا يقتصر على الاقتصاد بل يمتد إلى الثقافة والهوية والعدالة الاجتماعية.
واذا كان البعد الاجتماعي حاضرا بقوة في هذه الرؤية، حيث أن الرقمنة ليست مجرد مشروع تقني، بل وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية وتوسيع فرص التشغيل وتقليص الفوارق بين الفئات والجهات، كما أن البعد الثقافي والهوياتي يؤكد جلالته أن المغرب يختار طريق التحديث دون أن يتخلى عن خصوصيته وقيمه، في انسجام مع الهوية الوطنية التي تمنح الشرعية والصلابة للمشروع الإصلاحي.
وبالنسبة للبعد الدبلوماسي فيبرز أن المغرب، من خلال هذه الرؤية، يعزز موقعه التنافسي إقليمياً ودولياً، ويقوي شراكاته مع أوروبا وإفريقيا والعالم العربي.
لذلك، فإن المعارضة البرلمانية مطالبة بأن تتحول إلى أداة رقابية فعالة، تستخدم المساءلة البرلمانية واستجواب الوزراء، وتفعل لجان التحقيق لمتابعة أي اختلال أو تأخير، وتراقب الميزانية لضمان تخصيص الموارد المالية الكافية للاستثمار في الاقتصاد الرقمي، وتدفع نحو تشريعات حديثة تحمي البيانات وتشجع الابتكار وتفتح المجال أمام الشباب والمقاولات الناشئة. ومنه فإن التحديات التشريعية أمام البرلمان تتجلى في ضرورة وضع قوانين لحماية المعطيات الشخصية، وتحديث منظومة الملكية الفكرية، وإدماج الذكاء الاصطناعي في السياسات التشغيلية، إضافة إلى تحفيز الاستثمار في التكنولوجيا عبر حوافز ضريبية وتشجيع التصدير والمنافسة العالمية.
إن المعارضة البرلمانية إذا ما قامت بدورها بصرامة ومسؤولية ستتحول إلى ضمانة أساسية لتنزيل هذه التوجيهات الملكية، عبر مساءلة الحكومة ومراقبة الوزراء والتأكد من أن خارطة الطريق الملكية تُترجم إلى واقع ملموس، وأن وجودها الدستوري القوي داخل البرلمان يشكل صمام أمان ضد أي تماطل أو اختلال، ويعزز ثقة المواطنين في المؤسسات. إن المغرب اليوم وقبل اي وقت مضى، يدخل مرحلة جديدة عنوانها الذكاء الاصطناعي والتنمية الرقمية، تحت قيادة ملكية واضحة، وحكومة مطالبة بالنجاعة، ومعارضة برلمانية مسؤولة، في انسجام مع هوية وطنية راسخة وتطلعات شعبية مشروعة.
إنها لحظة تاريخية تضع البلاد على سكة التحول نحو اقتصاد المعرفة ومجتمع العدالة والابتكار، حيث يصبح الشباب والجهات واللاتمركز الإداري ركائز أساسية لبناء المستقبل، مستقبل مشرف لمغرب يسير بسرعتين متوازيتين نحو تنمية مندمجة تجعل المغرب في الصدارة العربية والافريقية ولم لا العالمية.