aloborlakom.ma
@Aloborlakom

غاز تندرارة.. عشر سنوات من الاستغلال التجاري.. كيف وُزعت الأدوار بين أفريقيا غاز وساوند إنيرجي؟

من التنقيب عن الغاز شرق المغرب إلى اتفاقات البيع والتمويل والتوزيع.. تفاصيل شراكة استراتيجية تفتح أسئلة حول مستقبل الثروة الغازية الوطنية.

 

العبور لكم – تندرارة

اسم السلسلة: غاز تندرارة.. خفايا الاتفاقات وأسئلة الضرائب والمنافسة
رقم الحلقة: 01

يُعد مشروع حقل تندرارة، الواقع بالجهة الشرقية للمملكة، واحداً من أبرز المشاريع المرتبطة بتطوير الموارد الغازية بالمغرب، ليس فقط بسبب ما يحمله من آمال لتعزيز الإنتاج الوطني من الطاقة، وإنما أيضاً بسبب طبيعة الاتفاقات التجارية والمالية التي أحاطت بتطويره، والأدوار التي تقاسمتها الشركات المشاركة في المشروع.

ومنذ دخول المشروع مراحل متقدمة من التطوير، برز اسمان أساسيان في مساره التجاري: الشركة البريطانية ساوند إنيرجي (Sound Energy)، وشركة أفريقيا غاز (Afriquia Gaz) المغربية، التي دخلت على خط المشروع من بوابة شراء الغاز وتمويل جزء من تطويره، فضلاً عن مشاركتها في رأسمال الشركة البريطانية.

لكن ما طبيعة هذه الشراكة؟ وما الذي حصلت عليه كل شركة مقابل التزاماتها؟ وكيف جرى توزيع مسؤوليات الإنتاج والتمويل والتسويق والتوزيع؟

البداية من اتفاق 29 يوليوز 2021، الذي وضع الإطار التجاري الأساسي لتطوير المرحلة الأولى من غاز تندرارة.

من التنقيب إلى مرحلة الاستغلال التجاري

بدأت ملامح مشروع تندرارة تتشكل عبر أعمال التنقيب والاستكشاف التي استهدفت تحديد الإمكانات الغازية للمنطقة الشرقية، قبل أن تتقدم شركة ساوند إنيرجي في تطوير الاكتشافات، خصوصاً بمنطقة TE-5 Horst، وصولاً إلى الحصول على امتياز الإنتاج وتطوير تصور عملي لتسويق الغاز.

وبالنسبة إلى ساوند إنيرجي، لم يكن التحدي مقتصراً على استخراج الغاز من باطن الأرض، بل كان مرتبطاً أيضاً بإيجاد مشترٍ قادر على ضمان تسويق الإنتاج، وتأمين التمويلات اللازمة لبناء المنشآت التقنية الضرورية لمعالجة الغاز وتحويله إلى غاز طبيعي مسال.

في المقابل، كانت أفريقيا غاز تمتلك خبرة مهمة في مجال توزيع الغاز والمنتجات الطاقية بالمغرب، وهو ما جعل دخولها إلى المشروع يحمل بعداً تجارياً يتجاوز مجرد شراء الغاز.

وهكذا بدأت تتبلور شراكة تجمع بين شركة تتولى تطوير المشروع وإنتاج الغاز، وشركة مغربية توفر منفذاً تجارياً للإنتاج وتساهم في تمويل تطوير المرحلة الأولى.

اتفاق 29 يوليوز 2021.. عشر سنوات من شراء الغاز

في 29 يوليوز 2021، أعلنت ساوند إنيرجي توقيع اتفاق ملزم لبيع وشراء الغاز الطبيعي المسال مع أفريقيا غاز، يمتد لعشر سنوات ابتداءً من بدء تدفق الغاز.

ويخص الاتفاق المرحلة الأولى من تطوير امتياز تندرارة، المرتبطة بمنطقة TE-5 Horst، مع تحديد كمية تعاقدية سنوية تصل إلى 100 مليون متر مكعب من الغاز في حالته الغازية، بعد معالجته وتسييله.

وتتولى شركة Sound Energy Morocco East Limited، التابعة لساوند إنيرجي، تنفيذ الالتزامات المرتبطة بالبيع نيابة عن شركاء امتياز تندرارة.

ومن أبرز الشروط التجارية الواردة في الاتفاق اعتماد صيغة Take or Pay، أي الأخذ أو الدفع، التي تفرض على المشتري أداء الحد الأدنى المتفق عليه حتى في حالة عدم سحب الكمية كاملة، وفق الشروط التعاقدية.

وحدد الاتفاق حداً أدنى سنوياً للالتزام بالشراء يعادل 90 مليون متر مكعب من الغاز، فيما تتراوح الكمية التعاقدية المستهدفة حول 100 مليون متر مكعب سنوياً.

أما السعر، فاعتمد نطاقاً يبدأ من 6 دولارات ويصل إلى 8.346 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu)، وفق صيغة تسعير مرتبطة بمؤشرات دولية، من بينها مؤشر الغاز الأوروبي TTF ومؤشر Henry Hub الأمريكي.

وتكشف هذه المعطيات أن الاتفاق لم يكن مجرد عقد بيع عادي، بل إطاراً تجارياً طويل الأمد يهدف إلى تأمين سوق للإنتاج وضمان حد أدنى من المداخيل المرتبطة به.

أفريقيا غاز.. من مشترٍ للغاز إلى شريك مالي

لم يقتصر دور أفريقيا غاز على شراء الإنتاج المستقبلي، بل امتد إلى المشاركة في تمويل المشروع، من خلال عمليتين ماليتين منفصلتين.

العملية الأولى تمثلت في استثمار بقيمة مليوني جنيه إسترليني، أي ما يعادل نحو مليوني جنيه وفق قيمة الصفقة المعلنة، مقابل إصدار أسهم جديدة لفائدة أفريقيا غاز، وهو ما منح الشركة المغربية حصة تبلغ حوالي 9.8% من رأسمال ساوند إنيرجي.

أما العملية الثانية، فتتعلق باتفاق تمويل بقيمة 18 مليون دولار، في شكل سندات قرض (Loan Notes)، لفائدة ساوند إنيرجي، بهدف تغطية حصتها من النفقات الرأسمالية المرتبطة بتطوير المرحلة الأولى من المشروع.

وقد حُدد سعر الفائدة السنوي لهذا التمويل في 6%، مع استحقاق القرض في دجنبر 2033، وفق الشروط التي جرى الإعلان عنها عند إتمام الاتفاق في دجنبر 2021.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين الصفتين اللتين جمعتا أفريقيا غاز بساوند إنيرجي: فهي من جهة مساهم في رأسمال الشركة البريطانية، ومن جهة ثانية دائن وممول للمشروع، فضلاً عن كونها المشتري المتعاقد على تسلم الغاز.

وبذلك أصبحت العلاقة بين الطرفين متعددة الأبعاد، تجمع بين الاستثمار والتمويل والشراء والتسويق التجاري.

من يستخرج الغاز ومن يتولى تسويقه وتوزيعه؟

لفهم طبيعة الشراكة، لا بد من التمييز بين مراحل سلسلة القيمة المرتبطة بالغاز الطبيعي.

ففي المرحلة الأولى، تتولى ساوند إنيرجي، عبر شركاتها التابعة وبالشراكة مع باقي أطراف امتياز تندرارة، تطوير الحقل واستخراج الغاز الخام.

بعد ذلك، يخضع الغاز لعمليات المعالجة والتجهيز داخل المنشآت التقنية المخصصة لهذا الغرض، قبل تحويله إلى غاز طبيعي مسال داخل وحدة التسييل المصغرة (Micro LNG).

وتدخل هنا شركة Italfluid Geoenergy الإيطالية، التي أُسندت إليها مهام تصميم وبناء وتشغيل وصيانة منشأة معالجة وتسييل الغاز، وفق صيغة تعاقدية تقوم على استئجار المنشأة.

أما أفريقيا غاز، فتتولى الجانب التجاري المرتبط بشراء الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب النقل والتوزيع والتسويق لفائدة الزبناء الصناعيين، بما يشمل الاستثمارات المرتبطة بهذه الأنشطة اللاحقة لخروج الغاز من منشأة التسييل.

وهذا التوزيع للأدوار يكشف أن أفريقيا غاز لا تتولى عمليات التنقيب والاستخراج، كما أن ساوند إنيرجي ليست مجرد شركة تبيع الغاز، بل تتحمل مسؤولية تطوير البنية التقنية والإنتاجية اللازمة لتنفيذ الاتفاق.

وبالتالي، فإن القيمة الاقتصادية للمشروع لا تتحدد فقط بحجم الغاز المستخرج، بل أيضاً بتكاليف المعالجة والتسييل والنقل والتوزيع، وبالأسعار وشروط البيع المتفق عليها بين الأطراف.

المرحلة الثانية.. اتفاق مختلف مع المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب

بالتوازي مع اتفاق أفريقيا غاز، اتجه مشروع تندرارة نحو مسار تجاري آخر، يتعلق بالمرحلة الثانية من التطوير.

ففي 30 نونبر 2021، أعلنت ساوند إنيرجي توقيع اتفاق ملزم لبيع وشراء الغاز الطبيعي مع المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب (ONEE)، لمدة عشر سنوات.

ويختلف هذا الاتفاق عن اتفاق المرحلة الأولى؛ إذ يتعلق بتسويق الغاز الطبيعي عبر خط أنابيب الغاز المغاربي الأوروبي، وليس عبر إنتاج الغاز الطبيعي المسال ونقله بالشاحنات.

وحدد الاتفاق حجماً تعاقدياً سنوياً يصل إلى 350 مليون متر مكعب، مع اعتماد حد أدنى سنوي في صيغة الأخذ أو الدفع يبلغ 300 مليون متر مكعب.

وكان الهدف من هذا المسار توفير الغاز لمحطات إنتاج الكهرباء بالمغرب، بما يفتح أمام المشروع سوقاً وطنية مرتبطة مباشرة بإنتاج الطاقة الكهربائية.

لكن تنفيذ هذا الاتفاق ارتبط بشروط تقنية وإدارية واستثمارية، من بينها الحصول على التراخيص اللازمة، واتخاذ قرار الاستثمار النهائي، واستكمال ترتيبات الربط بخط أنابيب الغاز.

ومن المهم التأكيد أن اتفاق أفريقيا غاز واتفاق المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب يمثلان عقدين منفصلين، يرتبط كل منهما بمرحلة مختلفة وبطريقة مختلفة لتسويق الغاز.

أسئلة اقتصادية ومالية تفرض نفسها

إن تعدد الأدوار التي تجمع بين أفريقيا غاز وساوند إنيرجي يطرح مجموعة من الأسئلة التي تستحق المعالجة في إطار النقاش حول استغلال الموارد الطبيعية بالمغرب.

فما هي الكلفة الإجمالية لإنتاج الغاز ومعالجته وتسييله ونقله؟ وما حجم الهوامش التجارية التي تتحقق في كل مرحلة من مراحل سلسلة القيمة؟

وكيف تنعكس شروط التسعير المرتبطة بالمؤشرات الدولية على السعر النهائي للغاز الموجه إلى السوق المغربية؟ وما طبيعة الالتزامات المالية والضريبية المترتبة على كل طرف، بحسب نشاطه وموقعه في المشروع؟

كما يطرح دخول شركة أفريقيا غاز في رأسمال ساوند إنيرجي، بالتزامن مع تمويلها للمشروع وشرائها للإنتاج، سؤالاً حول طبيعة العلاقة التجارية والمالية بين المساهم والممول والمشتري، وكيفية ضمان وضوح المصالح والالتزامات بين مختلف الأطراف.

ولا يعني طرح هذه الأسئلة وجود مخالفة أو امتياز غير مشروع، وإنما يعكس الحاجة إلى تقديم معطيات واضحة للرأي العام حول مشروع استراتيجي يرتبط باستغلال مورد طبيعي وطني

وهو ما يقودنا إلى الحلقة الثانية من هذا الملف، التي ستخصص لأسئلة الضرائب والعائدات: من يستفيد مالياً من غاز تندرارة؟ وما الالتزامات الجبائية المرتبطة باستغلاله وتسويقه؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.