الجديدة: صهيل الخيل ودوي البارود.. مولاي عبد الله أمغار يستعيد سحر «التبوريدة» ويحوّل دكالة إلى قبلة للفرسان
العبور لكم – م-ع-الإدريسي
من بعيد، يبدو المشهد مختلفاً.. غبار يتصاعد في الأفق، خيول مزينة تتقدم في صفوف متراصة، وفرسان بلباسهم التقليدي يستعدون للحظة الحاسمة.
وبينما يتعالى صهيل الخيل، تتجه الأنظار إلى «المحرك»، حيث تستعد سربات التبوريدة لرسم واحدة من أكثر لوحات الفرجة التصاقاً بالذاكرة المغربية.
هنا، في موسم مولاي عبد الله أمغار بالجديدة، لا تكون الخيل مجرد وسيلة للفرجة، ولا يكون البارود مجرد صوت عابر في فضاء الاحتفال؛ فالمشهد بأكمله يستحضر ذاكرة الفروسية المغربية، ويعيد إلى الواجهة طقوساً توارثتها الأجيال وظلت حاضرة بقوة في الوجدان الشعبي.
ومع حلول موسم الصيف، تتحول جماعة مولاي عبد الله إلى وجهة موسمية لعدد كبير من الفرسان وعشاق التبوريدة، كما تستقبل المنطقة أعداداً كبيرة من الزوار القادمين من مختلف المناطق، بحثاً عن فرجة لها طعم خاص، وعن أجواء لا تشبه باقي المهرجانات والمواسم.
لحظة الصمت التي تسبق دوي البارود في «المحرك»، كل شيء يبدو محسوبا
الفرسان مصطفون في صف واحد، الخيول في كامل جاهزيتها، والعيون تراقب قائد السربة. لحظات قصيرة من الصمت والترقب، قبل أن تنطلق الخيول في اتجاه واحد، في انسجام يختزل كثيراً من التدريب والانضباط.
ثم تأتي اللحظة التي ينتظرها الجميع.. دوي البارود
طلقة جماعية تصنع صدى يتردد في أرجاء المكان، وسط تصفيق وهتافات الجمهور. بعدها تعود السربة إلى موقعها، قبل أن تستعد لجولة أخرى، فيما تظل عيون المتفرجين معلقة بحركة الخيول والفرسان.
إنها التبوريدة، بما تحمله من قوة وجمالية وإثارة، وهي فرجة لا تزال قادرة على جذب الصغار والكبار، وعلى تحويل فضاء الموسم إلى مسرح مفتوح للفروسية التقليدية.
فرسان من جهات مختلفة.. وذاكرة واحدة
ما يميز موسم مولاي عبد الله أمغار هو الحضور القوي للسربات القادمة من مناطق مختلفة من المغرب. لكل سربة لباسها وأسلوبها وتقاليدها، لكن الجميع يلتقون حول الخيل والبارود وروح المنافسة.
وفي هذا التنوع، يجد الزائر نفسه أمام فسيفساء من مظاهر الفروسية التقليدية المغربية، حيث تتجاور الأزياء والأعلام والخيل والفرسان، في مشهد يجمع بين الخصوصيات المحلية والهوية المشتركة.
ولم تعد التبوريدة حكراً على الرجال، إذ أصبحت مشاركة السربات النسائية خلال الدورات الأخيرة جزءاً من المشهد، مضيفة إلى عروض الموسم بعداً جديداً، ومؤكدة أن هذا التراث قادر على التجدد ومواكبة التحولات.
موسم لا ينام.. خارج «المحرك»، حكاية أخرى لا تقل حرك
الزوار يتنقلون بين فضاءات الموسم، والأسواق تعيش على إيقاع الإقبال، فيما تنشط التجارة والحرف والخدمات المرتبطة بتوافد الآلاف من الزوار.
الخيام والمنتجات التقليدية والأنشطة الموازية تجعل من الموسم فضاءً اجتماعياً واقتصادياً مفتوحاً، لا يتوقف عند حدود عروض الفروسية.
هنا يلتقي الزائر بالتاجر والحرفي والفنان والفارس، وتتحول أيام الموسم إلى مناسبة لتبادل الأحاديث والذكريات، وإلى فرصة لاستعراض جوانب من الموروث الثقافي المحلي.
حين يصبح التراث موعداً للأجيال
ربما تكمن قوة موسم مولاي عبد الله أمغار في قدرته على جمع أجيال مختلفة حول مشهد واحد.
أطفال يتابعون الخيول بانبهار، شباب يلتقطون الصور ويوثقون اللحظات، وكبار السن يستعيدون ذكريات مواسم سابقة، بينما ينشغل الفرسان بإعداد خيولهم ولباسهم واستعراضاتهم.
وبين هؤلاء جميعاً، يستمر التراث في الانتقال من جيل إلى آخر.
فالفارس الذي يدخل «المحرك» اليوم لا يقدم عرضاً فقط؛ بل يستعرض جزءاً من ذاكرة جماعية، ويشارك في الحفاظ على تقليد ظل مرتبطاً بالبادية المغربية وبقيم الفروسية والاعتزاز بالخيل والانتماء إلى الجماعة.
دكالة على موعد مع الفرجة
مع كل دورة، يؤكد موسم مولاي عبد الله أمغار قدرته على تجاوز كونه موعداً محلياً، ليصبح محطة تستقطب عشاق الفروسية التقليدية من مختلف أنحاء المغرب.
فالمنطقة خلال أيام الموسم تعيش على إيقاع خاص؛ حركة غير عادية، زوار من كل الاتجاهات، خيول وفرسان، أسواق وفضاءات للفرجة، وسهرات وأنشطة ترافق هذا الموعد الذي أصبح جزءاً من الذاكرة الثقافية لمنطقة دكالة.
إنه موسم تختلط فيه رائحة التراب بصهيل الخيل، وتلتقي فيه الذاكرة الشعبية بفرجة الحاضر.
ومع انطلاق كل سربة، يعود المشهد ذاته: فرسان يمتطون صهوة الخيل، صفوف تنتظر الإشارة، جمهور يحبس أنفاسه، ثم اندفاعة واحدة تنتهي بدوي البارود.
لحظة قصيرة، لكنها تختصر تاريخاً طويلاً من الفروسية المغربية.
وهكذا، يواصل موسم مولاي عبد الله أمغار كتابة حكايته؛ حكاية خيل وفرسان وبارود، وحكاية منطقة تتحول كل صيف إلى قبلة لعشاق التبوريدة، حيث لا يزال التراث قادراً على أن يصنع الفرجة، وأن يجمع الناس حول ذاكرة مغربية لا تزال حية.