السرفاتي والمالح وأسيدون: يهودية مغربية في مواجهة الصهيونية
العبور لكم – محمد الغفري
في زمن تحاول فيه الصهيونية أن تتحدث باسم اليهود جميعًا، وأن تقدم نفسها باعتبارها التعبير السياسي الطبيعي عن اليهودية، تبدو استعادة أصوات يهود مغاربة اختاروا الوقوف في الضفة الأخرى من التاريخ أكثر من مجرد استعادة للذاكرة.
إنها، في العمق، معركة على المعنى.
فمن حق الفلسطيني أن يقول إن مقاومة الاحتلال ليست كراهية لليهود، ومن حق اليهودي أن يقول إن اليهودية لا تمنحه تفويضًا لاحتلال أرض شعب آخر. ومن حق المغربي اليهودي، قبل هذا وذاك، أن يقول إن مغربيته ليست جسرًا إلزاميًا نحو الصهيونية، وإن انتماءه إلى اليهودية لا يلغي انتماءه إلى وطنه وإلى قضايا الحرية والعدالة.
وفي التاريخ المغربي الحديث، تبرز ثلاث شخصيات تختصر، كل واحدة منها بطريقتها، هذا المعنى: أبراهام السرفاتي، إدمون عمران المالح، وسيون أسيدون.
ثلاثة يهود مغاربة، من ثلاثة أجيال، عاشوا تجارب مختلفة، لكنهم التقوا عند رفض تحويل اليهودية إلى غطاء سياسي للاستعمار والاحتلال، وعند الانحياز إلى فلسطين بوصفها قضية شعب واقع تحت الظلم.
أبراهام السرفاتي: من يهودية المغرب إلى فلسطين
ربما لا توجد شخصية تختصر هذا المسار أكثر من أبراهام السرفاتي.
وُلد السرفاتي في الدار البيضاء سنة 1926 داخل أسرة يهودية مغربية، وانخرط منذ شبابه في النضال الشيوعي والحركة المناهضة للاستعمار، قبل أن يصبح واحدًا من أبرز رموز اليسار المغربي المعارض. دفع ثمن مواقفه سنوات طويلة من الاعتقال والسجن والمنفى.
لكن السرفاتي لم يكن يرى في يهوديته حاجزًا بينه وبين فلسطين؛ على العكس، جعل منها جزءًا من منظوره الأخلاقي والسياسي.
كان يقول إن اليهودية التي تربى عليها تقوم على احترام الإنسان وحقوق الشعوب، ولذلك لم يكن قادرًا على قبول أن يُمارس الظلم بحق الفلسطينيين باسم الدين اليهودي. وفي مقابلة أعيد نشرها من أرشيف «فلسطين الثورة»، عبّر بوضوح عن أن علاقته بالقضية الفلسطينية مرتبطة برفض اضطهاد الشعب الفلسطيني، وبقناعته بأن ذلك لا يمكن تبريره باسم اليهودية.
لم يكن موقفه مجرد تضامن من بعيد.
زار قواعد الثورة الفلسطينية في الأردن، وارتبط بعلاقات مع الحركة الوطنية الفلسطينية، كما حظي بتقدير من منظمة التحرير الفلسطينية، وظل مدافعًا عن حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة في تجربة السرفاتي:
الرجل الذي كان يهوديًا مغربيًا لم يرَ فلسطين باعتبارها «وطنًا موعودًا» لليهود، وإنما رأى فيها وطنًا لشعب حُرم من حقه.
لقد رفض أن يكون الدين جواز مرور إلى الاستعمار.
وكان في موقفه هذا امتداد طبيعي لثقافته السياسية المناهضة للاستعمار: كما رفض أن يحكم المغربَ المستعمر الفرنسي، رفض أن يُحكم الفلسطينيون من قبل مشروع استعماري باسم اليهودية.
ومن هنا تبدأ الحكاية.
إدمون المالح: حين تصبح الذاكرة مقاومة
إذا كان السرفاتي قد حمل فلسطين في السياسة والنضال، فإن إدمون عمران المالح حمل سؤالها في الثقافة والذاكرة.
ولد المالح في آسفي سنة 1917 لعائلة يهودية مغربية، وانخرط في الحركة الشيوعية والنضال من أجل استقلال المغرب. وبعد مغادرته إلى فرنسا ظل ارتباطه بالمغرب حاضرًا في كتاباته، قبل أن يعود للاستقرار فيه.
لكن أهمية المالح بالنسبة لموضوعنا لا تكمن فقط في مواقفه السياسية، وإنما في الطريقة التي نظر بها إلى الهوية المغربية.
لقد رفض أن تتحول اليهودية المغربية إلى هوية منفصلة عن المغرب، ورفض كذلك الرواية التي تجعل تاريخ اليهود المغاربة مجرد مقدمة لهجرتهم إلى إسرائيل.
كان يرى أن اليهود المغاربة جزء من تاريخ المغرب، وأن العلاقة بين اليهود والمسلمين في هذا البلد لا يمكن اختزالها في الرواية الصهيونية عن «إنقاذ اليهود» ونقلهم من عالم عربي معادٍ إلى دولة إسرائيل.
ولهذا تصبح الذاكرة، عند المالح، فعل مقاومة.
أن تقول إن اليهودي المغربي مغربي، وأن ذاكرته مغربية، وأن العربية والأمازيغية والمدن والأسواق والبيوت والمقابر والحكايات المغربية كلها أجزاء من ذاكرته، هو أن ترفض اقتلاع هذه الذاكرة من سياقها وتحويلها إلى مادة في مشروع سياسي آخر.
ولذلك لم يكن موقف المالح من الصهيونية منفصلًا عن دفاعه عن مغربية اليهود.
في نصه الشهير «يهود مغاربة ومغاربة يهود»، ناقش العلاقة بين اليهود والعرب، وانتقد التصورات التي تفصل اليهود المغاربة عن محيطهم المغربي، كما انتقد الصهيونية والتوسع الإسرائيلي.
وهنا يلتقي المالح مع السرفاتي، وإن اختلفت أدواتهما.
السرفاتي قاوم الصهيونية من موقع المناضل السياسي.
والمالح قاومها أيضًا من موقع المثقف الذي يدافع عن الذاكرة والهوية المغربية.
كلاهما كان يقول، بصورة أو بأخرى:
لا تجعلوا من اليهودية جدارًا بين اليهود والعرب، ولا تجعلوا من المغرب محطة عبور إلزامية نحو الصهيونية.
سيون أسيدون: من ذاكرة السرفاتي والمالح إلى معركة المقاطعة
ثم جاء سيون أسيدون.
وإذا كان السرفاتي قد فتح الطريق، والمالح حفظ جزءًا من الذاكرة، فإن أسيدون نقل هذا الإرث إلى معركة سياسية مباشرة في مواجهة الصهيونية والتطبيع.
ولد أسيدون سنة 1948 في أكادير داخل أسرة يهودية مغربية أمازيغية. وفي شبابه انخرط في اليسار المغربي، وكان من مؤسسي اليسار الجديد ومنظمة «23 مارس»، قبل أن يُعتقل سنة 1972 ويقضي سنوات طويلة في السجن خلال سنوات الرصاص.
لكن فلسطين لم تكن بالنسبة إليه قضية عابرة.
تحولت مع الزمن إلى جزء من هويته النضالية.
كان واضحًا في الفصل بين اليهودية والصهيونية، ورفض أن تتحدث الحكومة الإسرائيلية باسم يهود العالم. كما أصبح واحدًا من أبرز الأصوات المغربية المدافعة عن فلسطين والمناهضة للتطبيع، وارتبط اسمه بحركة المقاطعة BDS في المغرب.
وهنا تكتمل الدائرة.
السرفاتي واجه الصهيونية في زمن الثورة الفلسطينية وصعود اليسار المغربي.
المالح واجهها بقوة الذاكرة والثقافة، مدافعًا عن مغربية اليهود وعن التاريخ المشترك.
وأسيدون واجهها في زمن جديد، زمن التطبيع والمقاطعة، وحوّل التضامن مع فلسطين إلى ممارسة يومية في الشارع وفي المجال المدني والحقوقي.
ثلاثة رجال، إذن، لكن ليسوا ثلاث حكايات منفصلة.
إنها حكاية واحدة تمتد من جيل إلى جيل.
يهودية مغربية لا تحتاج إلى شهادة من تل أبيب
ربما تكون أهم رسالة في سيرة هؤلاء الثلاثة هي أنهم لم يحتاجوا إلى إسرائيل لكي يثبتوا يهوديتهم، ولم يسمحوا للصهيونية بأن تصادر مغربيتهم.
كانوا يهودًا مغاربة.
وهذه العبارة البسيطة تحمل في داخلها موقفًا سياسيًا عميقًا.
فالصهيونية حاولت، ولا تزال تحاول، تقديم نفسها باعتبارها الممثل السياسي لليهود في العالم. لكن تاريخ السرفاتي والمالح وأسيدون يقول شيئًا آخر تمامًا:
هناك يهود رفضوا أن تتحدث الصهيونية باسمهم.
وهناك يهود رأوا في فلسطين قضية عدالة وحرية، لا قضية هوية دينية.
وهناك يهود مغاربة رأوا أن انتماءهم إلى المغرب وإلى الثقافة المغربية لا يتعارض مع انحيازهم إلى الشعب الفلسطيني، بل إن الاثنين يمكن أن يلتقيا في رفض الاستعمار والتمييز والعنصرية.
ولهذا فإن استحضار هؤلاء المناضلين الثلاثة اليوم ليس استدعاءً للماضي فقط.
إنه أيضًا رد على خطاب سياسي يريد وضع الناس داخل خانات مغلقة:
يهودي إذن صهيوني.
مسلم إذن مؤيد للفلسطينيين.
عربي إذن معادٍ لليهود.
هذه التقسيمات لم تصمد أمام حياة السرفاتي والمالح وأسيدون.
فاليهودي يمكن أن يكون مناضلًا من أجل فلسطين.
والمغربي اليهودي يمكن أن يكون في طليعة مقاومة التطبيع.
ويمكن للانتماء اليهودي أن يكون جزءًا من تاريخ مغربي مشترك، لا ذريعة لقطع هذا التاريخ.
من السرفاتي إلى أسيدون
بين أبراهام السرفاتي وسيون أسيدون أكثر من أربعين عامًا من النضال.
لكن ثمة خيطًا لم ينقطع.
كلاهما كان يهوديًا مغربيًا، ويساريًا، ومعارضًا للاستبداد، ومنحازًا إلى فلسطين، ورافضًا للصهيونية باعتبارها ممثلًا وحيدًا لليهود.
وبينهما يقف إدمون المالح، الكاتب الذي جعل من الذاكرة المغربية ساحة للدفاع عن معنى آخر لليهودية المغربية.
لذلك يمكن قراءة هؤلاء الثلاثة باعتبارهم ثلاثة فصول من كتاب واحد:
السرفاتي هو فصل الثورة.
المالح هو فصل الذاكرة.
أسيدون هو فصل المقاومة المدنية والمقاطعة.
والكتاب كله يحمل عنوانًا واحدًا:
الحرية.
حرية المغرب.
حرية الفلسطينيين.
حرية اليهود المغاربة من أن يُختزلوا في مشروع سياسي لا يمثلهم جميعًا.
وحرية الإنسان من أن يُطلب منه أن يرث موقفًا سياسيًا لمجرد أنه ينتمي إلى دين أو جماعة.
سيون أسيدون… آخر السلسلة وأمانتها
حين رحل سيون أسيدون، لم يرحل مجرد ناشط مغربي يهودي كان يدافع عن فلسطين.
رحل واحد من آخر الشهود الأحياء على تقليد مغربي يهودي اختار أن يرى فلسطين من موقع العدالة، لا من موقع القوة.
ولذلك فإن استعادة السرفاتي والمالح وأسيدون ليست مناسبة لإنتاج صورة رومانسية عن الماضي، ولا لاستعمال يهود مغاربة كـ«دليل» لإحراج أحد.
الأمر أعمق من ذلك.
هؤلاء لا نحتاج إليهم كي نقول إن الفلسطينيين يستحقون الحرية.
فحق الفلسطينيين لا يحتاج إلى شهادة يهودية كي يصبح حقًا.
لكن وجودهم ينسف فكرة أخرى: فكرة أن الصهيونية قدر محتوم لكل يهودي، وأن اليهودية والصهيونية وجهان لشيء واحد.
لقد قالوا بأفعالهم، وبحياتهم، وباختياراتهم:
يمكن أن تكون يهوديًا ومغربيًا ويساريًا، وأن تقف في الوقت نفسه مع فلسطين.
بل يمكن أن ترى في مقاومة الاحتلال والدفاع عن المظلوم امتدادًا لقيمك الإنسانية، لا خروجًا عليها.
فلسطين هي البوصلة
وفي زمننا هذا، حيث تختلط المواقف وتتغير الاصطفافات، تبقى فلسطين بوصلةً كاشفة.
فمن يستحضر اليوم أسماء السرفاتي أو المالح أو أسيدون ليطعن في فلسطين، أو ليبرر الاحتلال والتطبيع، أو ليمنح الصهيونية شرعية باسم هؤلاء المناضلين، يكون قد أضاع البوصلة التي كانت تهديهم هم أنفسهم.
فالسرفاتي والمالح وأسيدون لم يكونوا أوراقًا في سجال سياسي، ولم يكونوا «يهودًا صالحين» لأنهم وافقوا على رواية الصهيونية، بل كانوا مناضلين اختاروا، كل من موقعه، الانحياز إلى الحرية والعدالة وحقوق الشعب الفلسطيني.
لذلك، فإن من يستدعي أحدهم اليوم لكي يهاجم فلسطين، إنما يفعل عكس ما دافع عنه الرجل طوال حياته.
إما أنه فقد البوصلة، فلم يعد يرى في فلسطين شعبًا وحقوقًا وتاريخًا واستعمارًا واحتلالًا، أو أنه استقطبته ماكينة الدعاية الصهيونية حتى صار يستعمل أسماء مناضلين كانوا في مواجهتها لتجميل خطابها.
أما البوصلة التي تركها لنا السرفاتي والمالح وأسيدون، فهي واضحة:
فلسطين ليست تفصيلًا في سيرتهم، وليست اقتباسًا يمكن انتزاعه من سياقه؛ فلسطين كانت جزءًا من البوصلة الأخلاقية والسياسية التي وجهت اختياراتهم.
ومن أراد أن يستحضرهم اليوم، فليستحضرهم كاملين: يهوديتهم المغربية، مغربيتهم، يساريتهم، إنسانيتهم، وموقفهم من الاستعمار والصهيونية وانحيازهم إلى حقوق الشعب الفلسطيني.
أما أن نقتطع منهم ما يخدم التطبيع، ثم نترك فلسطين التي ناضلوا من أجلها، فذلك ليس استحضارًا لتاريخهم، بل اختطاف لذاكرتهم.
من السرفاتي الذي حمل فلسطين في سجنه ونضاله، إلى المالح الذي حفظ مغربية اليهود في الأدب والذاكرة، إلى أسيدون الذي حمل فلسطين إلى الشارع والمقاطعة ومواجهة التطبيع، تمتد سيرة ثلاث شخصيات لا يجمعها الدين فقط، ولا السياسة وحدها، وإنما يجمعها اختيار أخلاقي واضح:
أن يقف الإنسان إلى جانب المظلوم، حتى عندما يكون الظلم مرتكبًا باسمه أو باسم الجماعة التي ينتمي إليها.
وهنا ربما تكمن أجمل ما تركه هؤلاء الثلاثة لنا:
أن اليهودية المغربية يمكن أن تكون، كما كانت في تجاربهم، جزءًا من تاريخ المغرب المقاوم للاستعمار، وجزءًا من الضمير المنحاز إلى فلسطين.
وهذا هو الإرث الذي ينبغي ألا يموت.