aloborlakom.ma
@Aloborlakom

سلا والانتخابات.. من ضجيج الحملات إلى مسؤولية الخطاب السياسي

العبور لكم – المهدي العلمي الإدريسي

الحملة الانتخابية فضاء للتواصل والإقناع، وليست مجالاً للفوضى وإزعاج المواطنين. وبين كثرة الشعارات وارتفاع الأصوات وتوزيع المنشورات، يظل السؤال مطروحاً: هل تصل البرامج الانتخابية إلى المواطن، أم يضيع مضمونها وسط الضجيج؟

مع انطلاق الحملات الانتخابية للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، بدأت مدينة سلا تستعيد أجواءها الانتخابية، حيث تنزل الأحزاب السياسية ومرشحوها إلى الشوارع والأحياء للتواصل مع المواطنين، والتعريف ببرامجهم، والدعوة إلى التصويت.

وتبقى الحملة الانتخابية محطة أساسية في الحياة الديمقراطية، لأنها تتيح للأحزاب والمرشحين فرصة التواصل المباشر مع المواطنين وشرح برامجهم وأفكارهم ومواقفهم، كما تمنح الناخب فرصة للتعرف على مختلف العروض السياسية قبل اتخاذ قراره.

غير أن المتابع للمشهد الانتخابي في بعض أحياء سلا يلاحظ تفاوتاً في طريقة تنظيم الحملات وتأطير المشاركين فيها. فهناك تنظيمات حزبية تحرص على حضور شعاراتها ورموزها، وتعمل على تقديم خطاب واضح ومنظم، بينما تظهر في المقابل بعض المظاهر التي يغيب فيها التأطير، ويطغى فيها الصخب على مضمون الخطاب السياسي.

وهنا يطرح المواطن سؤالاً بسيطاً لكنه جوهري: هل قوة الحملة الانتخابية تقاس بارتفاع الصوت وكثرة المنشورات، أم بقدرتها على إقناع المواطن وشرح البرنامج الانتخابي؟

الحملة الانتخابية ليست مسابقة في رفع الأصوات

إن الهدف الأساسي من الدعاية الانتخابية هو التواصل مع الناس، والاستماع إلى انشغالاتهم، وشرح البرامج والمشاريع بلغة واضحة ومفهومة. أما تحويل الشوارع والأزقة إلى فضاءات للصراخ والضجيج، فلا يساعد بالضرورة على إيصال الرسالة السياسية، بل قد يجعل مضمونها يضيع وسط الأصوات المرتفعة.

فالمواطن يحتاج إلى خطاب هادف، وليس إلى مجرد أصوات مرتفعة. ويحتاج إلى معرفة ما الذي يقترحه المرشح، وما هي أولوياته، وكيف ينظر إلى قضايا المدينة وسكانها، وما الذي يميز برنامجه عن غيره.

ومن هنا، فإن الحملة المنظمة والهادئة، حتى وإن كان عدد المشاركين فيها محدوداً، يمكن أن تكون أكثر وضوحاً في إيصال رسالتها من حملة كبيرة العدد لكنها تفتقر إلى التنظيم والتأطير.

احترام المدينة جزء من احترام المواطن

ومن بين المظاهر التي تستحق الانتباه أيضاً كثرة الأوراق والمنشورات التي يتم توزيعها خلال الحملات الانتخابية، والتي ينتهي جزء منها في الشوارع والأزقة وعلى الأرصفة.

فالمنشور الانتخابي وسيلة مشروعة للتواصل والتعريف بالمرشحين والبرامج، لكن استعماله ينبغي أن يرافقه وعي بأهمية المحافظة على نظافة المدينة والمرفق العام.

ولا ينبغي أن تتحول الحملة الانتخابية إلى مناسبة تترك وراءها كميات كبيرة من الأوراق والنفايات في الأماكن العامة، خصوصاً أن المواطن نفسه هو الذي سيجد نفسه في النهاية أمام آثار هذه الممارسات.

إن الحفاظ على نظافة الشوارع والأحياء مسؤولية مشتركة، والانتخابات لا ينبغي أن تكون استثناءً من هذه المسؤولية.

من الدعاية إلى التواصل

الحملة الانتخابية في جوهرها ليست مجرد صور وشعارات ومنشورات، وإنما هي فرصة لفتح نقاش مباشر مع المواطن.

فالمواطن يريد أن يسمع، لكنه يريد أيضاً أن يفهم. يريد أن يعرف البرامج، لكنه يريد كذلك أن يرى خطاباً سياسياً يحترم عقله ووقته وراحته.

ومن هنا، فإن الأحزاب والمرشحين مدعوون إلى جعل حملاتهم أكثر تنظيماً وتأطيراً، والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يحول المنافسة السياسية إلى فوضى في الشوارع والأزقة.

فالاختلاف بين الأحزاب أمر طبيعي، والتنافس على أصوات الناخبين جزء من العملية الانتخابية، لكن هذا التنافس يمكن أن يتم في أجواء تحترم المواطن والمدينة والفضاء العام.

سلا تحتاج إلى حملات انتخابية تليق بها

سلا مدينة عريقة، وسكانها يستحقون أن تكون الحملات الانتخابية التي تخاطبهم في مستوى أهمية هذا الاستحقاق.

والمطلوب ليس إلغاء مظاهر الحملة الانتخابية من الشارع، بل تنظيمها والارتقاء بها؛ من الصخب إلى الحوار، ومن كثرة المنشورات إلى قوة المضمون، ومن الحضور العددي إلى جودة التواصل.

فكل مرشح وحزب سياسي يسعى إلى نيل ثقة المواطنين، ومن الطبيعي أن يبذل جهده للتواصل معهم. لكن هذه الثقة تبدأ من احترام المواطن نفسه، واحترام محيطه، واحترام المدينة التي يسعى المرشح إلى تمثيل سكانها.

وفي نهاية المطاف، ستنتهي الحملة الانتخابية، وستغادر الأصوات المرتفعة الشوارع، وستتوقف السيارات والحملات واللقاءات، لكن المدينة ستبقى، وسيبقى المواطن الذي عايش تفاصيل هذه المرحلة.

لذلك، فإن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تحملها الحملات الانتخابية هي أن السياسة ليست ضجيجاً، والدعاية ليست فوضى، والمنافسة ليست إزعاجاً للآخرين؛ وإنما هي قبل كل شيء تواصل ومسؤولية واحترام للمواطن والفضاء العام.

ومن هذا المنطلق، فإن الارتقاء بالحملة الانتخابية في سلا لا يحتاج بالضرورة إلى المزيد من الأصوات، بقدر ما يحتاج إلى المزيد من التأطير، والتنظيم، والوضوح، والخطاب الهادف.

فحين يصل البرنامج إلى عقل المواطن، لا يحتاج إلى ضجيج حتى يُسمع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.