aloborlakom.ma
@Aloborlakom

صراع مبكر بين لوبان وطامحي الوسط واليسار

العبور لكم – أ.ف.ب

تدخل فرنسا مرحلة مبكرة من السباق نحو الانتخابات الرئاسية المقررة في 2027 وسط مشهد سياسي شديد التشتت، إذ يتنافس أكثر من ثلاثين مرشحا معلنا أو محتملا من اليسار والوسط واليمين على أصوات الناخبين خارج معسكري اليمين المتطرف واليسار الراديكالي، فيما تظهر استطلاعات الرأي مارين لوبان في موقع متقدم بصورة واضحة في محاولتها الرابعة للوصول إلى قصر الإليزيه.

وتزداد أهمية الاستحقاق المقبل لأن الرئيس إيمانويل ماكرون لا يستطيع الترشح مجددا بعد استكمال ولايتين متتاليتين وعشر سنوات في السلطة، ما يفتح السباق أمام جيل جديد من الطامحين في وقت تبدو فيه القوى السياسية التقليدية أضعف وأكثر انقساما مما كانت عليه في محطات انتخابية سابقة.

وتمنح استطلاعات الرأي الحالية لوبان نحو 35 في المائة من الأصوات في الدورة الأولى، كما تشير إلى قدرتها على الفوز في الجولة الثانية أمام مختلف المنافسين المحتملين، وهي أرقام قابلة للتغير خلال الأشهر الثمانية التي تسبق التصويت، لكنها تجعل زعيمة اليمين المتطرف أقرب من أي وقت مضى إلى الرئاسة الفرنسية.

وتستفيد لوبان من طبيعة النظام الانتخابي الفرنسي القائم على جولتين، إذ يؤدي تعدد المرشحين في الوسط واليمين المعتدل واليسار إلى توزيع الأصوات بينهم في الجولة الأولى، وهو ما قد يضمن لها المرور إلى الجولة الثانية بسهولة أكبر، بينما يخشى خصومها من سيناريو تجد فيه نفسها في مواجهة زعيم “فرنسا الأبية” جان لوك ميلانشون، وهي مواجهة تتوقع استطلاعات حالية أن تصب في مصلحتها بفارق مريح.

وتقول إيميلي زابالسكي، المتخصصة في الاتصال السياسي، إن عددا كبيرا من الشخصيات السياسية يريد الحصول على “جزء من الكعكة”، رغم أن فرص معظمها في الوصول إلى المراحل النهائية تبقى محدودة، فيما يربط أستاذ العلوم السياسية ريمي لوفيفر هذا العدد الكبير من الطامحين بما يسميه “تأثير ماكرون”، بعدما نجح وزير الاقتصاد السابق في حكومة فرنسوا هولاند سنة 2017 في الوصول إلى الإليزيه من دون الاعتماد على حزب تقليدي كبير.

ويرى لوفيفر أن تجربة ماكرون غذت طموحات شخصيات عديدة اقتنعت بإمكان تكرار المسار نفسه، خاصة بعدما أعاد الرئيس الحالي تشكيل الخريطة السياسية الفرنسية وقلص الوزن التقليدي للتقسيم بين اليمين واليسار الذي حكم الحياة الحزبية لعقود.

وتخوض لوبان السباق وهي في الثامنة والخمسين من عمرها، ورغم إدانتها استئنافيا في قضية تتعلق بإساءة استخدام أموال البرلمان الأوروبي، فإنها تقدمت بطعن أمام أعلى هيئة قضائية فرنسية، فيما لا تزال استطلاعات الرأي تمنحها صدارة مريحة في الجولة الأولى.

في معسكر الوسط واليمين، يبرز رئيس الوزراء الأسبق إدوار فيليب باعتباره أحد أكثر الأسماء قدرة، وفق استطلاعات وتقديرات سياسية، على تجميع أصوات تمتد من الوسط إلى اليمين التقليدي، لكنه يواجه منافسة متصاعدة من غابرييل أتال، رئيس الوزراء السابق الذي أصبح بدوره يطمح إلى وراثة جزء من القاعدة السياسية التي شكلها ماكرون خلال العقد الأخير.

وتحول التنافس بين الرجلين إلى سجال علني خلال الأيام الأخيرة، بعدما قال أتال، البالغ 37 عاما، إن فيليب يخوض حملته “بأفكار عمرها عشرون عاما”، فرد الأخير بأن الانتقادات ينبغي أن توجه إلى الخصوم السياسيين عوض شخصيات تنتمي إلى المعسكر نفسه.

ومع أن الرجلين أشارا إلى إمكان الاتفاق لاحقا على دعم المرشح الأكثر قدرة على المنافسة، لا يزال الخلاف قائما بشأن طريقة الوصول إلى مرشح واحد، إذ يبدي أتال استعدادا لإجراء انتخابات تمهيدية، بينما لا يظهر فيليب اهتماما بهذا السيناريو.

وذهبت صحيفة “لوموند” في افتتاحية إلى وصف استمرار الرجلين معا في السباق بأنه أمر “غير مفهوم”، معتبرة أن التنافس بينهما يبدو مدفوعا بالخلاف الشخصي أكثر من الاختلاف الحقيقي بشأن السياسات، وهي قراءة تعكس حجم القلق داخل الأوساط الوسطية من أن تتحول المنافسة الداخلية إلى هدية انتخابية للوبان.

ولا تبدو الصورة أكثر تماسكا في اليسار، إذ تتعدد الأحزاب والمرشحون من دون أن تظهر حتى الآن شخصية قادرة على فرض نفسها زعيما طبيعيا لهذا المعسكر.

ويقول لوفيفر إن اليسار الفرنسي لم يعرف في وقت سابق هذا العدد الكبير من الأحزاب في وقت تبدو فيه هذه الأحزاب نفسها ضعيفة، موضحا أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب قيادة واضحة تستطيع جمع التيارات المتنافسة.

ويستعد الحزب الاشتراكي وحزب “بلاس بوبليك” لتنظيم انتخابات تمهيدية في أكتوبر، ويظهر رافاييل غلوكسمان، البالغ 46 عاما، في موقع أفضل داخل هذا المعسكر مع نسب تتراوح بين 10 و15 في المائة في بعض استطلاعات الرأي، بينما يسجل زعيم الحزب الاشتراكي أوليفييه فور نسبا أحادية الرقم.

ويظل الرئيس السابق فرنسوا هولاند من الشخصيات التي تراقب تطورات السباق من الخلف، وسط توقعات بإمكان محاولة تقديم نفسه مرشحا توافقيا إذا أخفقت القوى الأخرى في الوصول إلى اتفاق خلال الأشهر المقبلة.

وتحذر بلانش ليريدون، مديرة الدراسات الفرنسية في معهد مونتين بباريس، من أن اعتماد المرشحين المعتدلين على خطاب يقوم أساسا على مواجهة لوبان أو ميلانشون قد لا يكون كافيا لإقناع الناخبين، معتبرة أن المطلوب هو تقديم مشاريع سياسية واضحة ومقنعة بشأن مستقبل البلاد.

وترى ليريدون أن لوبان وميلانشون يستفيدان من وضوح موقعهما السياسي ومن غياب منافسة جدية داخل معسكريهما، بينما تستنزف الانقسامات القوى الموجودة بين الطرفين وتدفعها إلى خوض معارك داخلية قبل أن تبدأ المواجهة الانتخابية الفعلية.

وتزداد حساسية هذا التشتت مع اقتراب نهاية حقبة ماكرون، إذ لم تعد المسألة مرتبطة فقط باسم من سيخلف الرئيس الحالي، وإنما أيضا بقدرة الوسط واليمين التقليدي واليسار على إعادة تنظيم صفوفهم في مواجهة قوة سياسية تمكنت خلال السنوات الماضية من توسيع حضورها الانتخابي وترسيخ موقعها في المشهد الفرنسي.

وفي ظل استمرار أكثر من ثلاثين اسما في دائرة الترشيح أو التفكير في خوض السباق، وعدم ظهور آلية واضحة لتقليص عدد المتنافسين، تدخل فرنسا مرحلة من عدم اليقين السياسي قد تمتد حتى الأسابيع الأخيرة التي تسبق التصويت.

وتختصر زابالسكي هذا المشهد بالقول إن فرنسا تدخل فترة من “عدم اليقين، وحتى الفوضى”، في وقت تتحرك فيه لوبان داخل معسكر أكثر تماسكا من خصومها، بينما يبقى السؤال الأكبر خلال الأشهر المقبلة هو ما إذا كانت القوى المعتدلة واليسارية ستنجح في تقليص عدد مرشحيها قبل الجولة الأولى، أم أن استمرار التشتت سيمنح زعيمة اليمين المتطرف أفضلية إضافية في طريقها نحو الإليزيه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.