aloborlakom.ma
@Aloborlakom

«الصاك».. حين تتحول حقيبة إلى عنوان في المشهد السياسي

العبور لكم – المهدي العلمي الإدرسي

أحياناً لا تحتاج الحياة السياسية إلى خطاب طويل حتى تنتج قصة تستمر في التداول. قد تكفي صورة، أو عبارة عابرة، أو حتى حقيبة عادية، لتتحول إلى رمز يختصر مرحلة كاملة من النقاش العام.

وهذا بالضبط ما يبدو أنه حدث مع «الصاك»، الذي ظهر أولاً في سياق مرتبط بالانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 بمدينة طنجة، قبل أن يجد طريقه إلى السجال السياسي، ثم يظهر من جديد داخل إحدى قاعات المجالس المنتخبة بمدينة فاس.

وبين طنجة وفاس، لم تعد الحقيبة مجرد تفصيل عابر، بل أصبحت استعارة تختصر جانباً من الطريقة التي يتفاعل بها الفاعلون مع الأحداث الانتخابية، وكيف يمكن لحدث واحد أن يغادر سياقه الأصلي ليكتسب دلالات جديدة.

البداية من طنجة

بدأت الحكاية من أحد مكاتب التصويت بطنجة، حيث أثارت حقيبة تضم أوراقاً انتخابية اهتمام السلطات، لتُفتح بشأنها أبحاث قضائية من أجل تحديد ملابسات ما جرى والمسؤوليات المحتملة.

ومن المهم هنا التمييز بين ما هو ثابت في المسار القانوني وما تم تداوله في النقاش العام. فوجود بحث قضائي لا يعني حكماً مسبقاً على أي طرف، كما أن تحديد المسؤوليات يظل من اختصاص الجهات القضائية المختصة.

لكن بعيداً عن الجانب القانوني، أخذت الحقيبة بعداً آخر في النقاش السياسي. فقد دخلت العبارة المرتبطة بها إلى قاموس السخرية والمناكفة بين الخصوم، وتحولت تدريجياً من مجرد إشارة إلى حادثة محددة إلى رمز قابل للتوظيف في الخطاب العام.

“من الحقيبة إلى “الرمز

تاريخ العمل السياسي مليء بالرموز التي تولد من أحداث بسيطة ثم تكبر دلالتها مع الوقت.

قد تكون كلمة، أو صورة، أو شعاراً، أو حركة احتجاجية، قبل أن تصبح لاحقاً وسيلة للتعبير عن موقف أوسع.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم حضور «الصاك» في النقاش الذي أعقب انتخابات شتنبر. فالمقصود لم يعد بالضرورة الحقيبة نفسها، وإنما الصورة التي التصقت بها في أذهان المتابعين.

وهنا تكمن قوة الرمز وضعفه في الوقت نفسه: قوته في قدرته على اختصار فكرة كاملة بكلمة واحدة، وضعفه في إمكانية أن تحمل الكلمة معاني مختلفة باختلاف الجهة التي تستعملها والجمهور الذي يتلقاها.

فاس.. حين دخل الرمز قاعة المجلس

لم تتوقف الحكاية عند حدود النقاش الذي أعقب الاقتراع.

ففي إحدى دورات مجلس جماعة فاس، ظهر مستشار جماعي حاملاً حقيبة كُتبت عليها عبارة «حزب الصاك»، في مشهد سرعان ما استقطب الانتباه داخل القاعة.

وتعامل أعضاء من فريق سياسي مع الخطوة باعتبارها استفزازاً، قبل أن يغادر عدد منهم أشغال الدورة احتجاجاً على ما اعتبروه تجاوزاً في طريقة التعبير.

وبعيداً عن المواقف المتباينة من التصرف، فإن المشهد يقدم مثالاً واضحاً على انتقال أدوات الصراع الانتخابي إلى فضاء التدبير المحلي.

فما كان في البداية تعبيراً ساخراً خارج قاعة المجلس، أصبح داخلها جزءاً من مشهد مؤسساتي تحكمه قواعد أخرى، حيث يفترض أن يكون الاختلاف حاضراً، لكن في إطار يحفظ للنقاش قدره وللجميع حقهم في التعبير.

السخرية.. سلاح ذو حدين

السخرية حاضرة في مختلف التجارب الديمقراطية، وغالباً ما تكون وسيلة لتوجيه النقد أو التعبير عن الاعتراض بطريقة غير مباشرة.

غير أن استخدامها داخل الفضاء العمومي يظل مسألة دقيقة.

فحين تستهدف فكرة أو موقفاً، قد تتحول إلى أداة للتعبير السياسي؛ أما حين يُفهم منها استهداف أشخاص أو التشهير بهم، فإنها قد تنقل النقاش إلى مساحة أخرى لا تخدم الحوار.

ولذلك فإن القيمة الحقيقية لأي ممارسة احتجاجية لا تقاس فقط بقدرتها على إثارة الانتباه، وإنما أيضاً بقدرتها على إيصال الرسالة دون إفساد إمكانية الحوار.

بين النقاش العام والمسار القضائي

ثمة نقطة أخرى تستحق التوقف عندها: ضرورة الفصل بين المسار القضائي والتوظيف السياسي أو الإعلامي للأحداث.

فالملف الذي انطلقت منه قصة «الصاك» له مساره القانوني، وتبقى نتائجه مرتبطة بما ستسفر عنه الأبحاث والإجراءات أمام الجهات المختصة.

أما تحويل الاسم أو الرمز إلى مادة للسجال، فهو شأن مختلف تماماً.

والخلط بين المجالين قد يؤدي إلى إصدار أحكام في الفضاء العام قبل أن تقول العدالة كلمتها، وهو ما لا يخدم لا المتابعين ولا الحياة العامة.

“ما وراء “الصاك

ربما تكون دلالة القصة أوسع من الحقيبة نفسها.

فالمشهد يعكس سرعة تحول الأحداث في عصر أصبحت فيه الصورة والعبارة القصيرة قادرتين على الانتشار في وقت قياسي. كما يبين أن التنافس الانتخابي لا ينتهي بالضرورة مع إغلاق صناديق الاقتراع، بل يمكن أن يستمر بأشكال مختلفة داخل المجالس والفضاءات العمومية.

لكن الأهم أن الاختلاف، مهما اشتد، يحتاج إلى مساحة مشتركة تحفظ للجميع حقهم في التعبير.

فالديمقراطية ليست فقط صناديق اقتراع ونتائج انتخابية، وإنما أيضاً ثقافة في التعامل مع الاختلاف، وقدرة على النقد دون تجريح، وعلى الاحتجاج دون تحويل الخلاف إلى خصومة شخصية.

وربما لهذا السبب تستحق قصة «الصاك» قراءة تتجاوز الطرافة التي رافقتها.

فقد تبدأ الحكاية بحقيبة، لكنها تطرح في النهاية سؤالاً أكبر:

هل يستطيع الخطاب السياسي أن يحافظ على قوة النقد وروح المنافسة، من دون أن يفقد احترامه للآخر وللفضاء الذي يجمع المختلفين؟

ذلك هو الاختبار الحقيقي، وليس الحقيبة في حد ذاتها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.