aloborlakom.ma
@Aloborlakom

الدخول المدرسي 2026-2027: بين معاناة الأسرة المعوزة ومظاهر التباهي الإجتماعي

العبور لكم – م.ع. الإدريسي

مع كل دخول مدرسي جديد، تعود إلى الواجهة أسئلة كثيرة تتجاوز حدود المحفظة والكتاب والدفتر والزي المدرسي. فالدخول المدرسي ليس مجرد موعد سنوي تلتحق فيه الأسر بمؤسسات التعليم، وإنما هو مناسبة تكشف، بشكل واضح، عن حجم الفوارق الاجتماعية والاقتصادية داخل المجتمع.

ومع اقتراب الموسم الدراسي 2026-2027، تستعد الأسر المغربية لاستقبال أبنائها في أجواء مختلفة تماماً. هناك أسرة تنظر إلى شهر شتنبر باعتباره بداية جديدة وأملاً في مستقبل أفضل لأبنائها، وهناك أسرة أخرى تستقبله بقلق وحسابات مرهقة: كيف ستوفر ثمن الكتب والدفاتر والملابس والأحذية والنقل؟ وكيف ستدبر مصاريف عدة أبناء في الوقت نفسه؟

إنها معاناة لا تظهر دائماً في الإحصائيات، لكنها حاضرة بقوة داخل البيوت.

حين يصبح الدخول المدرسي عبئاً على الأسرة

بالنسبة للأسرة محدودة الدخل، لا ينتهي الأمر بمجرد شراء محفظة ودفاتر. فهناك مستلزمات تتكرر كل سنة، ومصاريف النقل، والإطعام، والدروس الإضافية، وأحياناً تكاليف أخرى تفرضها ظروف الدراسة وبعد المؤسسة عن مقر السكن.

وقد يجد الأب أو الأم نفسيهما أمام خيار صعب: هل يوفران كل ما يحتاجه الأبناء للدراسة، أم يقتطعان من حاجيات الأسرة الأساسية؟

الأكثر إيلاماً أن الطفل نفسه قد يشعر بهذا الضغط. يرى زملاءه بملابس جديدة ومحافظ جديدة وأدوات مدرسية مختلفة، بينما يعود هو إلى المدرسة بما استطاعت أسرته توفيره.

وهنا لا تكون المشكلة في قيمة المحفظة أو ثمن الملابس، وإنما في الإحساس بالفوارق الاجتماعية داخل فضاء يفترض أن يكون فضاءً للإنصاف وتكافؤ الفرص.

مدرسة للتعلم أم عنوان للمكانة الاجتماعية؟

في المقابل، شهد التعليم خلال السنوات الماضية توسعاً في حضور المؤسسات الخصوصية، وهو أمر له أسبابه واختياراته، ومن حق الأسر أن تختار لأبنائها ما تراه مناسباً.

لكن المشكلة ليست في التعليم الخصوصي في حد ذاته.

المشكلة تظهر عندما يتحول اسم المدرسة إلى عنوان للمكانة الاجتماعية، وعندما يصبح الحديث عن المؤسسة التي يدرس فيها الأبناء نوعاً من التباهي أمام الآخرين.

فهل أصبح ضرورياً أن يعرف الجميع أين يدرس ابن فلان وابنة فلان حتى يعرفوا مستوى الأسرة الاجتماعي؟

وهل أصبح نجاح الأبناء مرتبطاً بالضرورة باسم المدرسة وشكل البناية وقيمة الواجب الشهري؟

إن التعليم في جوهره أكبر من ذلك بكثير.

فالمدرسة، سواء كانت عمومية أو خصوصية، ينبغي أن تكون قبل كل شيء فضاءً للعلم والتربية وبناء الشخصية، وليس منصة لاستعراض القدرة المالية للأسرة.

المفارقة المؤلمة

المفارقة أن نجد، في المجتمع نفسه، أسرة تكافح من أجل توفير ثمن الدفاتر والمحفظة، وأخرى تستطيع أن تدفع مبالغ كبيرة مقابل تمدرس أبنائها، ثم نجد أحياناً من يجعل هذا الفرق موضوعاً للتفاخر.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً:

هل نقيس قيمة التعليم بما ندفعه من مال، أم بما نغرسه في أبنائنا من علم وأخلاق ومسؤولية؟

ليس عيباً أن تكون الأسرة ميسورة، وليس عيباً أن تختار مدرسة خصوصية. العيب هو أن يتحول ما نملكه إلى وسيلة للحكم على الآخرين أو إشعارهم بالدونية.

فالطفل الذي يأتي من أسرة فقيرة لا ينبغي أن يشعر بأنه أقل قيمة من طفل آخر لأن والده لا يستطيع دفع رسوم مدرسة خصوصية.

المدرسة العمومية قضية مجتمع

ومن هنا تأتي أهمية إعادة الاعتبار إلى المدرسة العمومية.

فالمدرسة العمومية ليست مدرسة الفقراء، كما يحاول البعض تصويرها، وإنما هي مدرسة المجتمع بكل فئاته، ومؤسسة ينبغي أن تضمن لأبناء المغاربة فرصاً حقيقية في التعلم والارتقاء الاجتماعي.

إن الاستثمار في المدرسة العمومية ليس مسؤولية وزارة التربية الوطنية وحدها، بل هو مسؤولية مجتمع كامل.

فعندما تكون المدرسة العمومية قوية وجيدة، فإن المستفيد الأول هو المجتمع كله، لأن جودة التعليم لا ينبغي أن تكون امتيازاً حصرياً لمن يستطيع دفع المزيد.

والأسرة المعوزة لا تحتاج إلى الشفقة بقدر ما تحتاج إلى الإنصاف والفرصة والكرامة.

لا تجعلوا أبناءكم يقيسون أنفسهم بغيرهم

وهنا أيضاً تقع مسؤولية كبيرة على الآباء والأمهات.

من حق الأب أن يفرح بتفوق ابنه، ومن حق الأم أن تفتخر بنجاح ابنتها، لكن الأهم هو أن نربي أبناءنا على أن قيمة الإنسان لا تتحدد بثمن الملابس، ولا بنوع السيارة التي يقودها والده، ولا باسم المدرسة التي يدرس فيها.

الطفل الذي يتعلم احترام الآخرين، والاجتهاد، والصدق، وتحمل المسؤولية، قد يكون أكثر نجاحاً في الحياة من طفل أُنفقت عليه أموال كثيرة دون أن يتعلم قيمة العمل والتواضع.

إن أخطر ما يمكن أن نزرعه في عقول أبنائنا هو الاعتقاد بأن المجتمع ينقسم إلى من يملكون ومن لا يملكون، وأن قيمة الإنسان تقاس بما يملك.

الدخول المدرسي فرصة للتضامن

لذلك، لماذا لا نحول الدخول المدرسي إلى مناسبة للتضامن بدل أن يكون مناسبة للمقارنة؟

لماذا لا تشجع الأسر الميسورة أبناءها على التبرع بالكتب واللوازم التي لم يعودوا يحتاجون إليها؟

لماذا لا تتوسع المبادرات الجمعوية في توفير المحافظ والكتب والملابس للأطفال المحتاجين؟

ولماذا لا يتعلم أبناؤنا أن مشاركة زميلهم المحتاج ليست إحساناً يجرحه، وإنما سلوكاً إنسانياً يحفظ كرامته؟

إن أجمل صورة للدخول المدرسي ليست صورة طفل يحمل أغلى محفظة، وإنما صورة طفل يدخل مدرسته وهو يشعر بأنه متساوٍ في الكرامة والحق في الحلم مع جميع زملائه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.