الظاهرة الكركرية: التصوف المغربي الحديث بين رمزية «المرقعة» والامتداد الدولي
العبور لكم – الرباط
أصبحت الطريقة الكركرية واحدة من أكثر التجارب الصوفية المغربية المعاصرة إثارة للاهتمام والنقاش، ليس فقط بسبب انتشارها خارج المغرب، وإنما أيضاً بسبب مظهرها الرمزي المميز، وفي مقدمته ارتداء «المرقعة» متعددة الألوان، وما يرتبط بها من تفسيرات روحية وتربوية يقدمها أتباع الطريقة.
وتتمركز الطريقة في منطقة العروي بإقليم الناظور، وترتبط بشيخها محمد فوزي الكركري، بينما تقدم أدبياتها نفسها باعتبارها امتداداً لسلاسل صوفية مغربية، خصوصاً الشاذلية والدرقاوية والعلاوية. وتعرض الطريقة نفسها باعتبارها مساراً روحياً يقوم على الذكر والسلوك والتربية الروحية والالتزام بالشريعة.
من أين جاءت الطريقة الكركرية؟
بحسب المصادر التابعة للطريقة، تولى محمد فوزي الكركري مشيخة الطريقة سنة 2007، وتقدم الطريقة سلسلة روحية تربطها بعدد من الشيوخ الصوفيين، وصولاً إلى المدرسة الدرقاوية والعلاوية.
وتؤكد الأدبيات الكركرية أن التصوف الذي تدعو إليه يقوم على الجمع بين السلوك الروحي والالتزام بالشريعة، وتربط الممارسات الصوفية لديها بالذكر والمجاهدة ومراقبة النفس.
كما تقدم الطريقة نفسها باعتبارها جزءاً من التراث الصوفي المغربي، مع اعتماد خطاب ديني يجمع بين مفاهيم الإسلام والإيمان والإحسان والتربية الروحية.
لماذا تثير «المرقعة» كل هذا الاهتمام؟
يبقى الزي الكركري، المعروف بالمرقعة متعددة الألوان، أكثر مظاهر الطريقة إثارة لاهتمام الجمهور.
وبحسب التفسير الذي تقدمه الطريقة، فإن ارتداء هذا اللباس يرتبط بتربية المريد على التواضع ومقاومة التعلق بالمظهر، وتحمل نظرة الآخرين، إلى جانب دلالات رمزية مرتبطة بتعدد الألوان.
لكن من الناحية الإسلامية، لا توجد في القرآن أو السنة قاعدة عامة تجعل ارتداء لباس معين شرطاً لتحقيق الولاية أو التقوى أو القرب من الله.
والأصل في الإسلام أن معيار صلاح الإنسان لا يُقاس بلباسه أو مظهره، وإنما بالإيمان والعمل الصالح والتقوى والالتزام بأحكام الشريعة. وبالتالي فإن المرقعة، باعتبارها ممارسة رمزية خاصة بطريقة صوفية، لا يمكن تقديمها باعتبارها عبادة إسلامية عامة أو حكماً شرعياً ملزماً لجميع المسلمين.
وماذا يقول الإسلام عن الطرق الصوفية؟
الإسلام لا يجعل الانتماء إلى طريقة صوفية شرطاً لصحة الدين، كما أن مجرد الانتساب إلى التصوف لا يجعل جميع الممارسات المرتبطة بأي طريقة صحيحة تلقائياً.
المعيار الأساسي في المنظور الإسلامي هو الكتاب والسنة، مع اختلاف المدارس الفقهية والعلمية في تقييم بعض الممارسات الصوفية والتربوية.
ومن ثم، فإن الذكر والدعاء والصلاة على النبي ﷺ والتوبة وتهذيب النفس ومجاهدة الشهوات وحسن الأخلاق كلها معانٍ لها أصل واضح في الإسلام، لكن أي ممارسة إضافية تحتاج إلى أن تُقيّم وفق مدى توافقها مع أصول الشريعة، وليس فقط وفق نسبتها إلى شيخ أو طريقة.
وهذا يعني أن الحكم على أي طريقة صوفية لا ينبغي أن يقوم على لباس أتباعها أو انتشارها أو شعبيتها، وإنما على العقائد والممارسات التي تتبناها فعلياً ومدى توافقها مع القرآن والسنة وأصول الشريعة.
هل أصدرت المؤسسات الدينية المغربية موقفاً ضد الكركرية؟
هذه النقطة تحتاج إلى قدر كبير من الدقة.
فالمجلس العلمي الأعلى هو المؤسسة العلمية الرسمية التي تضطلع، في إطار منظومة إمارة المؤمنين، بمهام دينية وعلمية، ويترأسه الملك محمد السادس بصفته أمير المؤمنين، بينما يضم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية وعدداً من كبار العلماء ورؤساء المجالس العلمية المحلية.
وبحسب ما أمكن التحقق منه في المصادر الرسمية المتاحة، لم يظهر قرار أو فتوى عامة منشورة عن المجلس العلمي الأعلى تعتبر الطريقة الكركرية خارجة عن الإسلام أو تحرم الانتساب إليها.
بل توجد وثيقة منشورة ضمن مواد المجلس العلمي الأعلى تتضمن نشاطاً دينياً لزاوية كركرية في جماعة بني مرغين بإقليم الدريوش، ضمن برنامج ديني سنوي لسنة 2026، وهو ما يجعل من غير الدقيق الحديث عن «رفض رسمي» للطريقة من طرف المؤسسة الدينية المغربية.
كما أن موقع الطريقة نفسه نشر سنة 2017 ما وصفه بأنه «برقية شكر وتقدير من المجلس العلمي الأعلى» بخصوص كتاب من إصداراتها. غير أن هذا المصدر تابع للطريقة نفسها، ولذلك ينبغي التعامل معه باعتباره رواية صادرة عن الجهة المعنية، وليس بديلاً عن وثيقة رسمية مستقلة.
الخلاف حول السند والمشيخة
في المقابل، لا تخلو قصة الطريقة من خلافات داخلية، خصوصاً حول مسألة المشيخة والسند الصوفي.
فقد ظهرت تصريحات إعلامية منسوبة إلى أفراد من عائلة الكركري تنتقد مشيخة محمد فوزي الكركري وتطعن في شرعية السند الذي تقدمه الطريقة، وتصفها بأنها طريقة حديثة التأسيس. وهذه التصريحات تمثل موقف أصحابها في نزاع مرتبط بمشيخة الطريقة، ولا ينبغي تحويلها إلى حكم شرعي عام أو إلى موقف رسمي للمؤسسات الدينية المغربية.
ومن هنا تظهر أهمية الفصل بين ثلاثة أمور مختلفة: موقف أتباع الطريقة، والخلافات داخل محيطها، والموقف الرسمي للمؤسسات الدينية المغربية.
التصوف المغربي بين التاريخ والتجديد
التصوف يشكل جزءاً مهماً من التاريخ الديني والثقافي للمغرب، وارتبط عبر قرون بالزوايا والعلماء والتربية الروحية والذكر وخدمة المجتمع.
لكن التصوف المغربي نفسه ليس كتلة واحدة، بل عرف مدارس وطرقاً متعددة، واختلفت أساليبها في التربية والسلوك والأوراد والرموز.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الكركرية باعتبارها تجربة صوفية معاصرة تحاول تقديم نفسها ضمن هذا التراث، مع إضافة رموز ومظاهر خاصة بها جعلتها أكثر حضوراً في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
انتشار دولي يتجاوز حدود المغرب
لم تعد الطريقة مرتبطة فقط بمقرها في منطقة الناظور، إذ تقدم منصاتها الرسمية أسماء مسؤولين أو ممثلين لها في عدد من البلدان، من بينها فرنسا والولايات المتحدة ومصر، كما تعرض محتوى بعدة لغات.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الظاهرة الكركرية تجاوزت المجال المحلي، وأصبحت جزءاً من المشهد الصوفي العابر للحدود، مستفيدة من وسائل التواصل الحديثة في نشر الدروس والأوراد والتعريف بالطريقة.
أين يبدأ الاختلاف الشرعي؟
الجدل الحقيقي لا ينبغي أن يتركز فقط على المرقعة أو الألوان، وإنما على مضمون الممارسة الدينية.
فإذا كانت الممارسة تتعلق بالذكر والدعاء وتهذيب النفس والأخلاق والتقرب إلى الله وفق أحكام الشريعة، فإن تقييمها يدخل في إطار واسع من الاجتهاد والتقاليد الصوفية المعروفة.
أما إذا نسبت إلى الدين ممارسات أو عقائد لا أصل لها في الكتاب والسنة، أو تضمنت تجاوزاً لأحكام الشريعة، فإنها تصبح محل نظر ونقد علمي، مثلها مثل أي ممارسة دينية أخرى.
وبذلك، فإن الانتساب إلى الطريقة ليس معياراً كافياً للحكم على الشخص أو على صحة كل ممارسة داخل الطريقة، كما أن اختلاف العلماء أو الباحثين حول بعض الممارسات لا يعني تلقائياً الحكم على أتباع الطريقة جميعاً بالخروج من الإسلام.
الكركرية بين الدين والرمز والجدل الإعلامي
تقدم الطريقة الكركرية نموذجاً لظاهرة دينية مغربية حديثة استطاعت أن تجمع بين التراث الصوفي والانتشار الرقمي والرمزية البصرية.
لكن حضورها الإعلامي الكبير، وخصوصاً بسبب المرقعة الملونة، جعل النقاش حولها يتجاوز الجانب الروحي إلى أسئلة تتعلق بالسند والمشيخة والممارسات الدينية وحدود التجديد داخل التصوف.
وفي غياب موقف رسمي صريح يصنف الطريقة باعتبارها «خارجة عن الإسلام» أو «محرمة» من طرف المؤسسات الدينية المغربية، يبقى التعامل معها إعلامياً بحاجة إلى التمييز بين ما تقوله الطريقة عن نفسها، وما يقوله منتقدوها، وما تثبته الوثائق الرسمية.
وفي النهاية، فإن الحكم الشرعي على أي ممارسة دينية لا يُبنى على الشكل الخارجي أو الشهرة أو عدد الأتباع، وإنما على مدى توافقها مع أصول الإسلام ومقاصده، وهو ما يجعل النقاش حول الكركرية أقرب إلى قضية علمية ودينية تحتاج إلى التوثيق والإنصاف، بعيداً عن الأحكام الجاهزة.